جيل “Z”.. وصَدَى رُوح 20 فبراير ..قلم : المصطفى القرواني
قلم : المصطفى القرواني
في ظل تحولات المجتمعات الحديثة وتزايد التحديات الاجتماعية والاقتصادية، يبرز الشباب دائمًا كفاعل أساسي في صياغة المستقبل. إلا أن البعض ما يزال يستهين باحتجاجاتهم، معتبرًا إياها مُجرد لحظات غضب عابرة أو مظاهر انفلات شعوري. لكن التاريخ المُعاصر يُثبت العكس: الشباب، بصوته الحاد ومطالبه المُلِحَّة، يشكل بَوْصَلَة التغيير وأداة مِحورية للمُساءلة والإصلاح.
احتجاجات الشباب ليست مُجرد صيحات غضب، بل هي رسائل واضحة إلى المجتمع والحكومات على حَدّ سواء، تقول: “نحن موجودون، نراقب، ونطالب بالعدل والمُساواة والفُرص الحقيقية”. ومَن يظن أن تجاهل هذه الرسائل سيؤدي إلى هُدنة اجتماعية، فهو مُخطيء، لأن غضب الشباب، إذا لم يُستجب لِمَطالبه المشروعة، يتحول إلى قوة لا يمكن كَبحها.
قَبلَ أكثر مِن عِقد من الزمن، خرج آلاف الشباب المغاربة إلى الشوارع والساحات، يهتفون باسم الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية. كان ذلك في إطار حركة 20 فبراير، التي دشّنت مرحلة جديدة من الوعي السياسي الشعبي، وأثبتت أن الشباب، متى شعر بأن صوته غير مَسمُوع، يُمكِنُ أن يغيّر المُعادلة وأن يفرض على الدولة إعادة ترتيب أوراقها. لم تكن الحركة مُجرد احتجاج عابر، بل كانت روحاً تسكن الذاكرة الجماعية، وتُذكِّر المغاربة أن الإصلاح لا يأتي إلا حين يُدفع ثمنه من عرق الجماهير وصرخات المَقهورين.
اليوم، وبعد خمسة عشر عاماً تقريباً، يظهر إلى الواجهة جيل جديد هو جيل “Z”؛ أبناء الهواتف الذكية ومواقع التواصل، الذين تربّوا في عالم افتراضي مفتوح، لا يعترف بالحدود التقليدية للمعرفة، ولا بالوصاية على المعلومة أو الرأي. قد يختلفون عن شباب 20 فبراير من حيث الأدوات واللغة، لكنهم يشتركون معهم في العمق: رفض واقع لا يلبّي تطلعاتهم، وتمرّد على السائد، وحُلم بِعقد اجتماعي جديد.
أوجُه التشابه: الروح نفسها وإن اختَـلَفَ الزمن
- الرفض المشترك: شباب 20 فبراير رفضوا الاستبداد والفساد، وجيل Z يرفض التهميش وغياب العدالة الاجتماعية. كِلاهُما قال “لا” في وجه واقع يراه ظالماً.
- المطالبة بالكرامة: إذا كان شعار 20 فبراير هو “حرية، كرامة، عدالة اجتماعية”، فإن جيل Z يعبّر عنها بلغته الرقمية: “العيش بكرامة أو الرحيل”.
- الحلم بالتغيير: كلا الجيلين لم يستسلم لفكرة أن “الأمور ستظل كما هي”، بل يُؤمن أن المغرب يستحق أفضل.
أوجه الاختلاف: أدوات وأساليب جديدة
- الشارع مقابل الفضاء الرقمي: شباب 20 فبراير حوّلوا الساحات إلى منابر مفتوحة، بينما جيل Z يجعل من الفايسبوك، إنستغرام، وتيك توك ساحاته الأولى قبل أن ينزل للشارع عند لحظة الانفجار.
- التأطير: 20 فبراير استفادت من دعم بعض القوى السياسية والنقابية والحقوقية، أما جيل Z فهو أكثر تحرراً، يرفض الوساطة التقليدية، ولا يثق كثيراً في الأحزاب والنقابات.
- الوعي العابر للحدود: جيل Z يَرَى نفسه جزءاً من حركة شبابية عالمية، يتأثر بالاحتجاجات في فرنسا وتشيلي ولبنان كما يتأثر بما يجري في حيه أو قريته.
الدرس المُستفاد:
ما يجمع بين 20 فبراير وجيل Z هو أن الشباب يبقى دائماً هو المُحرّك الأول لأي تحول سياسي واجتماعي. وإذا كانت الدولة قد استوعبت في 2011 جزءاً من المطالب عبر إصلاح دستوري ومبادرات تهدئة، فإنها اليوم أمام امتحان أصعب: كيف تتفاعل مع جيل لا يعترف بالخطابات الجاهزة ولا بالوعود المؤجلة، جيل يطالب بنتائج ملموسة على الأرض، ويريدها الآن وليس غداً.
الخاتمة: الرُّوح لا تَمُوت
روح 20 فبراير لم تنتهِ، بل عادت في ثوب جديد اسمه جيل Z. اختلفت الأشكال والوسائط، لكن الجوهر واحد: شباب لا يقبل أن يعيش على هامش التاريخ، شباب يصنع المعنى من الغضب، ويحوّل الاحتجاج إلى أمل في التغيير.
وإذا كان الجيل الأول قد فتح الباب، فإن الجيل الثاني يملك الأدوات الرقمية والمعرفية لتوسيع الأفق. أما السؤال الذي يبقى معلقاً، فهو: هل ستستوعب المؤسسات الرسمية هذا النَّفَـس الجديد، أم سننتظر انفجاراً أكبر؟ !
من زاوية المُواطن، الاحتجاجات ليست تهديدًا، بل فُرصَة. فرصة لإعادة النظر في السياسات، وتحفيز المؤسسات على التفاعل الإيجابي مع المَطالب الحقيقية، وإشراك الشباب في المسار التنموي. فالاحتجاج لا يعني الفَوضى، بل يمثل مُؤشرًا على وَعي اجتماعي ونضج سياسي إذا ما تمت إدارتها بحكمة واحترام القانون.
في النهاية، مَن يستهين باحتجاجات الشباب يغفل أن المستقبل لَهُم. إنهم ليسوا مجرد قوة ضغط، بل صوت يقود التغيير، ونبض يمنح الحياة للمجتمع. على الجميع أن يستمع إليهم بجدية، وأن يحول غضبهم المشروع إلى دينامية بناء وإصلاح، لأن تجاهلهم اليوم قد يكون هزيمة للجميع غدًا.