لحماس بلا بوصلة… حين يتحوّل الشارع إلى فخّ للشباب قلم: عبدالقادر كلول
قلم: عبدالقادر كلول
من السهل أن تُستفزّ مشاعر الشباب بدعوة إلى التظاهر أو الخروج إلى الشارع، خصوصاً حين تكون الأرضية مهيأة بالمعاناة اليومية والظلم الاجتماعي وضيق الأفق. فالمعاناة تولّد التذمّر، والتذمّر يولّد الرغبة في الصراخ، وأيسر مكان لذلك هو الساحة العامة. غير أنّ السؤال الجوهري الذي غالباً ما يُغفل في خضمّ الحماسة هو: إلى أين يقودنا هذا الخروج؟ ومن يقف وراءه؟ وما هي أهدافه الحقيقية؟
لقد عشنا في العالم العربي تجربة “الثورات” التي رفعت شعارات الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، وملأت الشوارع بالملايين، لكنها لم تحمل معها مشروعاً واضحاً، ولم تُفرز قيادات نزيهة ومؤهلة، فكانت النتيجة أن انقلبت الآمال كوابيس، وضاعت الأوطان بين الفوضى والحروب الأهلية والتدخلات الأجنبية. صارت بعض البلدان خرائب، ودفعت شعوبها ثمناً غالياً من دمائها واستقرارها، وكل ذلك نتيجة خطوة مرتجلة غير محسوبة العواقب.
إن أخطر ما يواجه الشباب اليوم ليس فقط البطالة أو القهر الاجتماعي، بل سهولة استغلالهم كوقود لحسابات سياسية أو أجندات خارجية. كثير من الدعوات التي تُطلق على وسائل التواصل الاجتماعي، تحت عناوين براقة، ليست بريئة كما تبدو؛ بعضها ملغوم بغايات لا علاقة لها بمصلحة الشعوب. فالمندفعون بحسن نية لا يرون سوى اللحظة، بينما من خططوا لتلك الدعوات ينظرون إلى أبعد من ذلك بكثير: إلى مصالح ضيقة، إلى صراعات سلطة، أو إلى خدمة مشاريع أجنبية.
حماية الوطن قبل كل شيء
في خضمّ اندفاعهم، ينسى الكثير من الشباب أن واجبهم الأول هو حماية الوطن. فما قيمة أي إصلاح أو تغيير إذا انهار الكيان الجامع؟ إنّ حماية وحدة الوطن واستقراره شرط أساسي لكل إصلاح، بل هي الضمانة الوحيدة لاستمرار أي مكتسب. فحين تضيع الدولة، لن يبقى هناك مجال للحديث عن كرامة أو عدالة أو فرص، لأن الفوضى لا تُنجب سوى الخراب.
الطريق البديل: ماسسة النضال
التغيير المنشود لا يُصنع في الشوارع وحدها، بل يُبنى أولاً في العقول، ويُترجم إلى عمل منظم داخل المؤسسات. الطريق الآمن والمثمر للشباب هو الانخراط في الأحزاب السياسية، أو النقابات، أو الجمعيات المدنية، حيث يمكن تحويل الحماسة إلى برامج، والصوت الفردي إلى قوة جماعية مؤثرة.
إن ماسسة النضال تعني أن يتحوّل الغضب المشروع إلى قوة منظمة، تضغط عبر الآليات القانونية والمؤسساتية، وتشارك في صياغة القرارات، وتبني بديلاً حقيقياً بدل الاكتفاء برفع الشعارات. بهذا فقط يمكن إحداث التغيير المنشود دون السقوط في مطبّ البلطجة أو الاندفاع غير المدروس الذي تستغله الجهات المعادية في نهاية المطاف للإجهاز على المكت
التغيير الحقيقي يحتاج إلى:
وعي سياسي يحصّن من الاستغلال.
مشروع وطني واضح يحدد الأهداف والوسائل.
إصلاح تدريجي يراكم المكتسبات بدل هدم كل شيء.
مؤسسات قوية تصون القانون وتضمن التداول السلمي على السلطة.
حماية الوطن باعتبارها الركيزة الأولى والأخيرة لأي مشروع إصلاحي.
بدون هذه المرتكزات، يظل الحماس وقوداً لحريق لا يترك سوى الرماد. وعلى الشباب أن يدركوا أنّ التاريخ لا يرحم التسرّع، وأنّ كل نداء يُطلق دون وضوح رؤية وبرنامج عمل واقعي ليس سوى فخّ يُدفعون إليه بحسن نية ليخسروا أوطانهم وأحلامهم معاً.
فالدرس الذي لم نتعلّمه بعد من تجارب “الربيع العربي” هو أن التغيير ليس نزوة عابرة ولا فعلاً انفعالياً، بل هو مسار طويل، يحتاج إلى وعي وصبر وتنظيم، وإلى قوى سياسية ومدنية واعية تُترجم مطالب الناس إلى سياسات وقرارات واقعية. وما لم نستوعب ذلك، سنظل ندور في الدائرة نفسها: نملأ الشوارع ثم نعود إلى بيوتنا مثقلين بالخيبات.