نياشين بلا سلاح فصل زوجة الجندي السابق..عبد الجليل ابو الزهور
قلم : عقد الجليل او الزهور
لم تكن ليلى قد تعلّمت بعد كيف تُسمّي ما أصبحت عليه.
أهي زوجة؟
أم ظلّ زوجة؟
أم مجرّد اسم أُضيف إلى لقب رجل غاب قبل أن يستقر في الذاكرة؟
حين أُغلق باب السجن على محمد العطار، لم يُغلق معه شيء واضح.
ظلّت الأبواب في بيت حادة نصف مفتوحة، كما لو أن الغياب نفسه متردّد، لا يعرف إن كان إقامة أم مرورًا عابرًا.
كانت ليلى تستيقظ باكرًا، قبل الجميع. لا أحد يطلب منها ذلك، لكنها تعوّدت أن تسبق اليوم بخطوة، كمن يخشى أن يفاجئه. تشعل النار، تنظف المكان، وتعيد ترتيب الأشياء التي لا تتحرّك. كل شيء في البيت ثابت، إلا هي.
أنا زوجته…
تقولها في داخلها، لا لتتأكد، بل لتقنع نفسها أن ما جرى له يعنيها.
لم تكن تحبه بالمعنى الذي تعلّمته من الحكايات.
تزوّجته لأن الزواج بدا مخرجًا، ولأنه كان ينظر إليها دون فحص، دون سؤال. كان حضوره، في البداية، وعدًا غامضًا بالحماية. لكن الحماية سقطت سريعًا، وبقي الاسم فقط.
حين صارت تُنادى في الدوار بـ«زوجة الجندي السابق»، أدركت أن محمد لم يعد شخصًا، بل صفة. وأنها هي الأخرى لم تعد ليلى، بل تابعًا لوضعٍ لم تختره بالكامل.
كانت تزوره في السجن متى استطاعت.
تجلس قبالته، وبينهما زجاج سميك، يختصر كل المسافات التي لم يقطعوها معًا.
لا يقول الكثير.
ولا تقول أكثر.
— «صبري شوية…»
يقولها كمن يعتذر دون اعتراف.
تهزّ رأسها، وتبتسم ابتسامة صغيرة، مدرّبة.
لم تعد تنتظر شيئًا واضحًا. فقط تنتظر أن تمرّ الأيام دون أن تسحقها.
حين تعود إلى البيت، كانت حادة تنظر إليها بنظرة تفحص لا تخلو من حساب.
ترى فيها عبئًا مؤجّلًا، ومسؤولية لا تريد الاعتراف بها.
هذه بنت الناس…
كانت تقول لنفسها.
ولكنها الآن زوجة مسجون.
في الليل، حين يخلو المكان، كانت ليلى تضع يدها على بطنها، بلا وعي، ثم تسحبها بسرعة، كأنها تخشى فكرة لم تتشكّل بعد. لم تكن تفكّر في الإنجاب، ولا في المستقبل، بل في سؤال أبسط:
إلى متى يمكن للمرأة أن تعيش على الهامش دون أن تختفي؟
محمد، خلف الجدران، كان يتغيّر.
لم يعد يتحدّث عن العودة، ولا عن الجنوب، ولا عن الرتبة.
كان يتحدّث عن الصبر، وكأن الصبر مهنة جديدة.
أما ليلى، فقد بدأت تفهم، دون أن تقولها، أن زواجها لم يكن نهاية قصة، بل بدايتها الثقيلة.
وأنها، منذ الآن، ستُعرّف دائمًا بما فقده غيرها.
في صباحٍ رمادي، وهي تكنس عتبة البيت، رفعت رأسها نحو الطريق الخالي.
لم تنتظر أحدًا.
لكنها شعرت، للمرة الأولى، أنها تقف وحدها تمامًا.
زوجة الجندي السابق…
لقبٌ ثقيل،
لكنه كان، على قسوته،
أول اسمٍ تمتلكه ليلى
دون أن يُنتزع منها.
الجزء الثالث
الفصل الأول: المدينة حين تخلع أقنعتها.
في المساء، حين يخفّ ضجيج المدينة، تُفصح عن وجهها الحقيقي. الشوارع التي كانت تمتلئ بالنهار، تصير اعترافًا طويلًا، بلا شهود. المدينة لا تنام؛ هي فقط تُغمض عينًا، وتُبقي الأخرى مفتوحة على أبنائها، كأمٍّ تعرف أن أبناءها لا يعودون سالمين.
محمد العطار كان يراها من بعيد، من حافة الوادي، حيث الصخر أكثر وفاءً من البشر. قال في سرّه: لم أعد أنتمي إلى هناك، ولا إلى هنا.
كان يعرف أن العودة لم تعد خيارًا، وأن البقاء في العراء ليس حلًا، ومع ذلك ظلّ. بعض الرجال لا يختارون مصائرهم، بل يقبلون بها حين تتعب المقاومة.
الفصل الثاني: محمد… ما بعد النيشان
في السجن، تعلّم محمد أن الزمن لا يُقاس بالأيام، بل بكمّ الإهانات الصغيرة التي يتلقاها المرء دون أن ينهار. حين فُصل من صفوف الجندية، لم يُستدعَ إلى مكتب رسمي، ولم يُمنح حقّ الاعتراض. في صباح بارد، قيل له ببساطة:
— لم تعد ضمن الصفوف.
أيّ صفوف؟ تساءل في داخله. صفوف الطاعة؟ صفوف الخديعة؟
في الزنزانة، كان يستعيد وجه ليلى خلف الزجاج. لم تبكِ. البكاء كان رفاهية لا تسمح بها الأمومة المقبلة.
كنت أظن أنني أحمل الوطن، قال لنفسه، فاكتشفت أنني كنت أحمل نفسي فقط، وسقطتُ بها.
خرج من السجن، فوجد الديون بدل الرفاق، والأبواب الموصدة بدل الشعارات. أدرك متأخرًا أن السجن لم يكن نهايته، بل كان مجرّد تدريب على الخارج.
الفصل الثالث: ليلى… أمومة مبتورة
عادت ليلى إلى الدوار، إلى النقطة التي بدأت منها الحكاية. المرض سبقها، واستقرّ في جسدها كما تستقرّ الخسارة في القلب. كانت تنظر إلى الطريق الترابي وتقول في نفسها: هنا بدأتُ، وهنا أُنهكت.
التوأم لم تعودا لها. حملتهما أسرة أخرى، وحملت هي فراغهما فقط. لم تلعن محمد، ولم تلعن الزمن. اللعن يحتاج طاقة، وهي استنفدت كل ما لديها في الصبر.
في الليالي، كانت الفكرة نفسها تعود: ربما لو لم أحب… ثم تسكت. الحب لم يعد سؤالًا، بل ذكرى مُتعِبة.
الفصل الرابع: نسرين… سيرة جسد وزمن
نسرين لم تعد تلك المرأة التي كانت تدخل الأمكنة قبل جسدها. الجسد نفسه صار يتأخر عنها، والليل لم يعد يفتح لها أبوابه كما كان يفعل سابقًا.
في بيتها السفلي، كانت تستعرض حياتها لا كحكاية، بل كسلسلة وجوه:
الزوج الأول: بدلة قوات مساعدة، رجل بلا قرار، أمّ تُدير، وزوجة تختنق. انتهى سريعًا، كأنه تجربة فاشلة.
الزوج الثاني: موظف قادم من بعيد، كلام منمّق، واحتقار مؤجل. حملٌ لم يشفع، وطلاق سبق الولادة، ثم زواج آخر أغلق الصفحة نهائيًا.
الشاب القويّ البنية: بلا وعود ولا أسئلة. سنوات من الصمت الآمن في مغارة على هامش الطريق عند مدخل المدينة . رحل كما جاء، وترك فراغًا نظيفًا.
عبد الكريم استاذ التعليم الابتدائي: أناقة أولى، ساعة تُخلع عند الباب، إدمان يتسلل، سقوط بطيء، وموت بلا ضجيج.
قالت نسرين في سرّها: لم أكن شريرة… كنت فقط وحيدة.
ابنتها كانت هاجسها الأخير. أرادت أن تحميها من الوهم، لا من الرجال فقط، بل من الكذبة الأولى التي اسمها الحب غير المشروط.
الفصل الخامس: سلوى… نجاة بلا احتفال
سلوى اختارت السلامة. لم تشرب، لم تدخن، لم تُغامر، لم تضع قلبها في مهبّ الاحتمال. كانت تعرف أن النجاة لا تعني السعادة، بل تعني فقط أنك ما زلتِ واقفة.
كانت ترى في نسرين صورة لما لم تكنه، وترى في نفسها صورة لما لم تستطع أختها أن تصير. تمدّ يدها بالقدر الذي يسمح به ضميرها، ثم تسحبها. الإنقاذ الكامل وهم، وهي لا تؤمن بالأوهام
الفصل السادس: حادة… وجه السلطة الصامت
حادة لم تسقط، ولم تمرض، ولم تندم. كانت تعرف كيف تُدير الرجال، وكيف تستنزفهم دون أن ترفع صوتها. رأت الجميع يسقطون واحدًا تلو الآخر، وبقيت واقفة، لأن الوقوف كان مهنتها الوحيدة.
قالت يومًا: الدنيا لا ترحم الضعفاء. ولم تكن تعظ، بل تُقرّر.
الفصل السابع: (تيفريت)… الاستقرار على الحافة
اختار محمد مغارة «تيفريت». لم يخترها لأنها آمنة، بل لأنها تشبهه. بعيدة، صامتة، ولا تعد بشيء. هناك، تعلّم كيف يصادق الصخر، وكيف يقتسم الليل مع النار والبرد.
لم يعد ينتظر خلاصًا، ولا عودة. صار وجوده نفسه شكلًا من أشكال المقاومة الصامتة. المدينة تعرف أنه هناك، لكنه لم يعد يعني لها شيئًا، كما لم تعد تعني له.
قال ذات مساء، وهو يحدّق في الظلام: هنا، بلا نيشان ولا سلاح، أستعيد اسمي ببطء.
الفصل الأخير: حكاية لم تُغلق بعد
في هذه الرواية، لا شيء يُحسم نهائيًا. الشخصيات لا تُغلق أقواسها، لأنها ما تزال تعيش خارج الصفحات. محمد في تيفريت، نسرين تُقاوم أفولها، ليلى تُصارع المرض والذاكرة، سلوى تحرس نجاتها، وحادة ما تزال تُدير ما تبقّى.
هذه ليست نهاية الحكاية، بل نقطة توقّف. ما زالت النياشين تتساقط، وما زال السلاح غائبًا. وما سيأتي لاحقًا، سيكون أثقل، وأوضح، وأقرب إلى الحقيقة.
يتبع…