فصل: انكسار بلا رتبة.قلم : عبد الجليل ابو الزهور   

959
قلم : عبد الجليل ابو الزهور 

 

 

 

بعد مدة من الزمن، بدأ محمد يذوب في الدنيا كما يذوب الملح في ماء راكد.
نحل جسده، وانكمشت قامته، وصار وجهه خريطة تجاعيد مبكرة، كأن العمر استعجل عبوره.
الوحدة لم تعد حالة، بل كائنًا يشاركه المغارة، يجلس معه، وينام قبله، ويستيقظ قبله.
كثُر حديثه مع نفسه. لم يعد يفرق بين الصوت الذي يخرج من فمه، والأصوات التي تحيط به.
الظلام في المغارة كان كثيفًا، لا يُرى بل يُسمع.
وفي ليالي المطر، حين يهطل الغيث بغزارة، كان هدير مياه النهر المتصاعد من أسفل الجرف يصل كزئير حيوان جريح.
النهر، منتفخًا، يرتفع منسوبه ويطرق جدران المغارة، كأنه يطالب بشيء لا يعرفه محمد ولا يستطيع الوصول إليه.
وكانت هناك أصوات أخرى، أكثر قربًا، أكثر إلحاحًا.
أصوات الفئران. فئران سوداء قادمة من بالوعات الصرف الصحي، تعيش على الهامش مثل صاحب المغارة.
تتعارك ليلاً حول بقايا الخبز وبعض الخضر والفواكه التي يجلبها محمد من المدينة.
يستيقظ أحيانًا على صرير أسنانها، وعلى عراكها المحموم.
وأحيانًا أخرى، كان يسمع صراع ذكرين من الفئران، يتناطحان بعنف من أجل الظفر بأنثى.
كان يراقبها في الظلام، ويبتسم ابتسامة باهتة، كأنها مرآته الأخيرة.
شيئًا فشيئًا، اختلطت الأصوات في رأسه.
هدير الماء، صرير الفئران، همهماته المتقطعة.
صار الليل بلا نهاية، والنهار بلا معنى.
في أحد أيام الأسبوع، نهض محمد باكرًا على غير عادته.
لم يجلس طويلًا، ولم يفتح الألبوم، ولم يشعل الشمعة.
دسّ تحت إبطه شفرة حديدية، تلك التي يستعملها المتاجر في القنب الهندي بعد الانتهاء من تقطيع الكيف وإعداد البتيقات.
أخذها كما تُؤخذ فكرة مظلمة، دون تردّد، ودون شرح.
غادر المغارة بخطى متثاقلة، مطأطئ الرأس، كأن الأرض أثقل من جسده.
كان يسير وهو يرسم في داخله هدفًا واحدًا، حادًا وواضحًا، للمرة الأولى منذ زمن طويل.
ذلك الصباح، غيّر مساره المألوف، متجهًا نحو دكان أحد الموثقين العدليين.
ما إن دخل عليه، حتى سلّ الشفرة من تحت إبطه، وحاول أن ينحره.
لم يكن في عينيه غضب، ولا كراهية شخصية، بل فراغ قاتل، كأن الفعل جاء متأخرًا عن سببه.
غير أن العدل، رغم سنه المتقدم، كان أقوى مما بدا.
وجهه دائري محمّر، عيناه زرقاوين، يشبه أحد رعايا دول أوروبا الشرقية.
قاوم محمد، دفعه، وتلقى جرحًا خفيفًا لم يكن قاتلًا.
تدخل بعض المارة بسرعة، أمسكوا بمحمد، أبعدوه عن الرجل.
لم يقاوم كثيرًا. كأنه في تلك اللحظة سلّم أمره نهائيًا.
حضرت عناصر الدرك، أوقفوه، واقتادوه إلى مركزهم، ومن هناك إلى النيابة العامة، ثم إلى المحكمة.
لم يشرح محمد شيئًا. لم يدافع عن نفسه. كان ينظر فقط، كما لو أن ما يحدث يخص شخصًا آخر.
صدر الحكم بإيداعه مستشفى الأمراض العقلية ببرشيد.
هناك، في جدران بيضاء لا صوت فيها، انتهى ما تبقى من صوته.
بقي إلى أن وافته المنية، دون ضجيج، دون خبر، دون أن ينتبه أحد إلى أن جنديًا سابقًا، حمل يومًا رشاش كلاشنيكوف روسي الصنع،
انتهى إلى فراش بارد، بلا سلاح، وبلا رتبة، وبلا نياشين… سوى تلك المعلّقة في ذاكرة رواية لم تُنسه: نياشين بلا سلاح.
وهكذا، كما كان سقوطه يبدأ من القدمين، انتهى به المطاف بلا أرض صلبة تحت قدميه، بلا أصدقاء، بلا وطن، وبلا سجلّ يذكره إلا في صفحات مغلقة، شمعة مضاءة، وصوت خافت بين أصوات النهر والفئران، كصدى لحياة لم تُستكمل.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.