نزار بركة: حين يتقمّص الوزير دور المعارض… وتضيع المسؤولية في الضجيج

819

ازيلال 24 : ابو الزهور عبد الجليل / دمنات 

 

 

في تجمع حزبي بمناسبة 11 يناير، صعد نزار بركة إلى المنصة لا بصفته وزيراً في حكومة قائمة، ولا كعضو في أغلبية برلمانية مريحة، بل كخطيب معارض يجلد “الجشع” ويعد بمحاربة “الفراقشية”، ويصرخ في القاعة كأن لا يد له في القرار ولا توقيع له تحت القوانين، وكأن الحكومة التي يُفترض أنه أحد أعمدتها كيانٌ غريب عنه.
من يسمع خطاب الرجل، وهو يدور فوق المنصة بحماسة لغوية فائضة، سيظن أنه يقود مسيرة احتجاجية لا مجلساً حكومياً، وأنه يستعد لانتخابات لا يتحمّل فيها أي إرث سياسي أو تشريعي. خطابٌ يقول: لا مستقبل لثقافة الجشع، ولا مستقبل للتلاعب بقوت المواطنين، ونريد مغرباً يسير بسرعة واحدة.
لكن السؤال البسيط الذي يفرض نفسه: من كان يسير المغرب حين ترسخت هذه الثقافة؟ ومن مرّر القوانين التي عمّقت الاحتقان بدل تفكيكه؟
نزار بركة ليس معارضاً خارج أسوار القرار، بل وزير في حكومة مرّت في عهدها قوانين مفصلية، من بينها قانون الصحافة الذي اعتبره مهنيون ضربة قاسية لحرية الممارسة، وقانون المحاماة الذي فجّر غضب هيئة من أقدم الهيئات المدافعة عن الحقوق والحريات، إلى غير ذلك من الاختيارات التي مست جوهر التوازنات الاجتماعية والمهنية.
كل هذا جرى باسم الأغلبية، وبأصواتها، وتحت مسؤولية سياسية كاملة.
الأخطر في هذا الخطاب ليس حدّته، بل ازدواجيته: أن تهاجم نتائج سياسات أنت شريك في صياغتها، وأن تندد بواقع أنت أحد مهندسيه، وأن تتحدث عن “الفراقشية” من موقع من يفترض فيه أن يواجههم بالقرارات لا بالشعارات.
أما قطاع التجهيز والماء، الذي يشرف عليه الرجل، فبعيد عن الصورة الوردية التي تُسوَّق من فوق المنصات. تعثر أوراش، تأخر مشاريع، طرق ظلت حبراً على لافتات لسنوات طويلة، وقناطر أُثير حولها جدل الجودة والسلامة…
وطريق دمنات – سكورة ليس سوى مثال صارخ عن مشاريع دخلت زمن النسيان، بينما المواطن يؤدي الثمن اليومي للعزلة والتهميش، في انتظار أن تتحول الخطب إلى أفعال.
كان بإمكان نزار بركة أن يكون صريحاً مع المغاربة، أن يقول مثلاً: إن موازين القوى داخل الحكومة لا تسمح، أو إن اختيارات الأغلبية تقيّد المبادرة، أو حتى إنه مجرد “عجلة إغاثة” داخل منظومة أعقد منه.
أما أن يُقدّم نفسه في ثوب المعارض الغاضب، بينما هو جزء من السلطة التنفيذية، فذلك استخفاف بوعي المواطن قبل أن يكون تناقضاً سياسياً.
المغاربة لم يعودوا في حاجة إلى خطب حماسية، ولا إلى استعارات من نوع “شرب حليب اللبؤة”. ما يحتاجونه هو ربط الخطاب بالمحاسبة، والشعار بالمسؤولية، والكلام بالفعل.
فإما أن تكون في الحكومة وتتحمّل تبعاتها كاملة، أو تخرج إلى المعارضة بوضوح وشجاعة.
أما اللعب على الحبلين، فقد أصبح مكشوفاً… ومتعباً لبلد يريد أن “يمشي بسرعة واحدة” فعلاً، لا قولاً.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.