الانتخابات البلدية… موسم الوعود المعلّبة وصيد الأصوات
قلم : محمد حمادة
كلام في السياسة عن الانتخابات البلدية أتحدث”
سبق لي ان نشرت مقالا على هذا المنوال مند خمسة سنوات وهو اليوم ساري المفعول في كل زمان ومكان ، مع تغيير خفيف …وكما هو معروف ، ان الإنتخابات التشريعية والبلية قريبة جدا و ستطل علينا وجوه جديدة و أخرى قديمة سئمنا من رؤيتها … يخطبون ودنا و يسعون لبيع كلام معسول لنا ألفنا سماعه منذ الاستقلال دون أن نرى نتائجه تتجسد على أرض الواقع..و سيظهر متحرشون متسابقون لخدمتنا…يرون في البلدية مشروع استثمار ليس إلا …مهمتهم إظهار الجنة لنا فوق أرض المدينة بخطبهم و وعودهم التي يحلفون بأغلظ الإيمان أنهم سيقومون بتطبيقها وما أن يجلسوا على الكرسي السحري حتى تدوخ رؤوسهم و سرعان ما يتبنون خطابا غير الخطاب الذي أسمعونا إياه أثناء الحملة الانتخابية.. كالزوجة التي طلبت من زوجها لماذا لم يعد يسمعها كلاما جميلا كالذي كان يقوله لها قبل الخطبة فقال لها : ” يا غبية ..هل رأيت صيادا يطعم سمكة بعد أن يصطادها ؟”.
مع اقتراب الانتخابات البلدية، تستعد الساحة لعرضٍ كوميدي جديد… نفس الوجوه التي غابت خمس سنوات تعود إلينا بابتسامات أعرض من الطرقات التي وعدت بإصلاحها ولم تُصلح. ووجوه أخرى “جديدة” تُقسم أنها وُلدت لخدمتنا، وكأن البلدية جمعية خيرية وليست مسؤولية ثقيلة.
يظهر المرشحون فجأة بحسّ اجتماعي خارق: يسألون عن صحتنا، وعن أحوال القطط و الكلاب التى تعيش في حينا ، وعن مستقبل الحفر في الشوارع… الكل يريد إسعادنا.
الوعود تُقدّم ساخنة، محشوة بالأيمان المغلّظة: طرق معبّدة، فرص شغل، إنارة لا تنطفئ، وماء لا ينقطع… حتى تكاد تظن أن المدينة ستتحول إلى لوحة إعلانية للسعادة. لكن ما إن يجلس الفائز على “الكرسي السحري”، حتى يتبدل الخطاب كما تتبدل الفصول.
بعد أيام ستكثر القوائم و يكثر الخطاب و كل يدعي أن سلعته هي الأحسن و أن عناصرهم هم الأفضل مزكين أنفسهم , مظهرين لنا عيوب خصومهم كاشفين عن سيئاتهم متجاهلين حسناتهم آملين منا تصديقهم بأنهم سيبذلون أقصى ما في وسعهم لتحقيق أحلامنا و أحلام ساكنة المدينة سنستمع لهذا وننصت لذاك و لكن تأبى قلوبنا تصديق هؤلاء الذين امتهنوا الكذب و ألفوا النفاق واعتادوا على تقسيم الوعود على كل مخاطب و لكن ما أن تذكرهم بالتي سبقت و البرامج التي لم تتحقق فسيتهمون الفريق الذي سبقهم و يتهمونا نحن أيضا بأننا لم نحسن الاختيار …
قلوبنا تأبى التصديق بأنهم يريدون مصلحتنا و مصلحة المدينة . فما رأينا من قبل ما يكذب إحساسنا و ما شعرنا بصدق نية أحد حتى نغير رأينا اليوم..كل ما نرى هو تسابق نحو الكراسي و تكالب على المسؤوليات للظفر ببديل مادي و منافع دنيوية يُغَظ الطرف عنها و يتخلى المرء بجزء من كرامته و شيء من شخصيته في سبيلها …فأشياء كثيرة تهون من أجل الهدف المنشود و ما أثر كلمات بذيئة قليلة يُسمعها من حين إلى حين مواطن غاضب لمسؤول لم يلبي طلبه مقابل امتيازات لا تعد و لا تحصى ؟
حينها تبدأ العبارات المألوفة تتدفق كالمطر في يوم انتخابي:
“ راه ما نسيتكش”… “الأمر ليس بيدي”… “المجلس السابق هو السبب ”… “اصبروا شوية”… “هناك أولويات”…والحل؟ في الطريق… طريق طويل… وربما بلا نهاية.
وبعد فوزهم ، يقومون بحفلات ، وتنصب الخيام ، الشاى والبارود ، والبسطيلة والدجاج ،… وطيلة ثلاثة ايام
فالرئيس يقوم ببناء خيمات كبيرة تتسع لإستقبال الف مدعو ومدعوة ، لم يقم بمثلها في عرسه ؟؟ ولم ترى البلاد مثله ، وتراه بالجلباب الأبيض يستقبل الأصدقاء والمنافقين ، رجال الأعمال وناس العمالة ورؤساء الأحزاب والجماعات والجمعيات والقياد والشيوخ …فرحا بهم ؟ لكن في الحقيقة ، فرحا بالفوز ..
تذكرنا بقصة ذلك الصياد الذي لا يطعم السمكة بعد اصطيادها لم تعد نكتة، بل صارت درسًا في السياسة المحلية. المواطن يمنح صوته، ثم يجلس منتظرًا… لا الطُّعم يعود ولا السمكة تتكلم.
و إن صادف و احتجتنا على كلامهم فسيلقون اللوم علينا و على الفريق الذي سبق و يذكروننا بعدم جدوى التطرق للماضي و أن الأهم هو المستقبل.و لكن ما دور المواطن في ظل هذه المعركة و مل يجب فعله
نستمع، نصفّق أحيانًا، ونبتسم كثيرًا… لكن قلوبنا أصبحت خبيرة في تمييز الكلام المعسول من الواقع المرّ. فالتجارب السابقة علمتنا أن الذاكرة السياسية قصيرة عند المسؤول، وطويلة جدًا عند المواطن.
في النهاية، يبدو المشهد كسباق نحو الكراسي أكثر منه سباقًا نحو خدمة الناس. فبعضهم يرى في المسؤولية استثمارًا مربحًا: قليل من الصبر، كثير من الامتيازات، وبعض العتاب من مواطن غاضب لا يغيّر شيئًا.
ستراهم يتحركون قريبا ، والبداية يوم عيد الفطر ..سيقدمون لك التهاني والتبريكات فى عقر دارك يبقى السؤال الحقيقي:
وسط هذا العرض الانتخابي، هل المواطن متفرج فقط… أم أنه الحكم الذي بيده صفارة البداية والنهاية؟..