ما بعد خامنئي..قلم : الحسن أبكاس

471

قلم  : الحسن أبكاس

 

 

مدخل: لحظة فارقة في تاريخ الجمهورية الإسلامية.

يشكل اغتيال آية الله علي خامنئي، المرشد الأعلى للثورة الإسلامية في إيران، نقطة تحول تاريخية لا تقل أهمية عن رحيل مؤسس الجمهورية الإسلامية عام 1989. فبعد أكثر من ثلاثة عقود من الحكم، كان خامنئي ليس فقط صاحب الكلمة النافذة في جميع شؤون الدولة، بل كان أيضاً “صمام الأمان” الذي حافظ على توازن القوى الهش بين المؤسسة الدينية والعسكرية. وفقاً لتقارير صحفية، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن مقتل خامنئي في غارات جوية أمريكية إسرائيلية استهدفت مجمعاً له في طهران، داعياً الشعب الإيراني إلى “استعادة بلادهم”.

هذا الحدث الدراماتيكي يطرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل إيران السياسي: هل سيتمكن النظام من لملمة صفوفه واختيار خلفٍ بسرعة؟ أم أن الفراغ الناتج سيفتح الباب أمام صراع داخلي عنيف قد يؤدي إلى انهيار الجمهورية الإسلامية؟ تجمع التحليلات الصادرة عن مراكز الأبحاث ووكالات الاستخبارات الغربية على أن مستقبل إيران يتحدد وفق أربع سيناريوهات رئيسية: سيطرة الحرس الثوري على السلطة، أو استمرار النظام الديني بوجه جديد، أو عودة الملكية، وفي أسوأ الحالات انهيار الدولة وانزلاقها نحو الفوضى والحرب الأهلية.

أولًا: آليات اختيار المرشد الجديد بين الدستور والواقع

لفهم السيناريوهات المحتملة، يجب استيعاب الآليات الدستورية وغير الدستورية التي تحكم عملية انتقال السلطة. دستورياً، يقع على عاتق مجلس خبراء القيادة، المكون من 88 عالماً دينياً يتم انتخابهم مباشرة من الشعب، مسؤولية اختيار المرشد الأعلى الجديد والإشراف عليه. غير أن هذا المجلس يخضع لرقابة صارمة من مجلس صيانة الدستور، الذي يعين أعضاؤه بشكل مباشر أو غير مباشر من قبل المرشد الأعلى نفسه، مما يجعل العملية محصورة في دائرة ضيقة من النخبة الدينية المحافظة.

لكن في ظل الظروف الاستثنائية الراهنة، مع استمرار الغارات الجوية وتعذر انعقاد مجلس الخبراء، تشير مصادر إلى أن الحرس الثوري الإيراني يضغط لحسم الاختيار خارج الأطر القانونية التقليدية. هذا الواقع يعكس تحولاً جوهرياً في ميزان القوى داخل النظام، حيث تتقدم الاعتبارات الأمنية والعسكرية على الإجراءات الدينية والدستورية.

ثانياً: السيناريوهات المحتملة للمرحلة الانتقالية:

1. سيناريو الحكم العسكري: صعود حراس الثورة

يرى معظم المحللين أن السيناريو الأكثر ترجيحاً هو أن يتولى قائد عسكري أو مسؤول أمني ذو خلفية في الحرس الثوري زمام الأمور. فقد ذكرت تقارير لوكالة رويترز نقلاً عن مصادر مطلعة أن وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) قدّرت، قبل شن الغارات، أنه في حال مقتل خامنئي، فإن عناصر متشددة من الحرس الثوري ستكون الأقرب لخلافته.

هذا السيناريو يبرز أسماء محددة على رأسها علي لاريجاني، سكرتير المجلس الأعلى للأمن القومي. الذي يجمع بين خلفية عائلية دينية مرموقة (شقيقه آية الله صادق لاريجاني كان مرشحاً محتملاً لخلافة خامنئي) وعلاقات وثيقة بالحرس الثوري، مما يجعله شخصية توافقية قادرة على ترميم العلاقة بين رجال الدين والجيش. كما تبرز أسماء أخرى مثل رئيس البرلمان (محمد باقر قالیباف)، وهو قائد سابق في الحرس الثوري، وأمير حسين شمخاني (أمين مجلس الدفاع).

لكن خبراء يحذرون من أن الحكم العسكري المباشر سيكون مستهجناً شعبياً ودينياً. لذلك، من المرجح أن تحتفظ المؤسسة العسكرية بـ “قشرة” النظام الديني، ربما عبر تعيين مجتبى خامنئي، نجل المرشد الراحل، كـ “شخصية واجهة” تمنح الشرعية الدينية للسلطة الفعلية التي يمسك بها الجنرالات. ويعزز هذا السيناريو حقيقة أن “انعدام الأمن يفيد قوات الأمن”، ففي أوقات الفراغ السياسي، يسيطر من يستطيع حشد العنف، وليس المثقفون أو النشطاء.

2. سيناريو استمرارية النظام الديني: “الخمينية بلا خامنئي”

الاحتمال الثاني هو نجاح المؤسسة الدينية في الحفاظ على هيمنتها عبر انتخاب مرجع ديني جديد يتمتع بشرعية حوزوية. في هذه الحالة، ستسعى النخبة الدينية إلى إظهار استمرارية النظام وتجديد شبابه في نفس الوقت. وتتجه الأنظار إلى عدد من رجال الدين الكبار الذين يمتلكون المؤهلات الدينية والمؤسسية. من أبرزهم آية الله علي رضا أعرافي (رئيس نظام الحوزات العلمية في إيران وعضو مجلس صيانة الدستور ومجلس الخبراء)، وهو شخصية تمثل الاستمرارية المؤسسية. كما يبرز آية الله غلام حسين محسني إيجي (رئيس السلطة القضائية)، الذي يتمتع بخبرة إدارية وأمنية واسعة. ومن الأسماء الأخرى المطروحة آية الله هاشم حسيني بوشهري، (رئيس مجمع مدرسي الحوزة العلمية في قم وعضو مجلس الخبراء).

يُذكر أن خامنئي كان قد شكّل، بعد حرب العراق وإسرائيل عام 2025، فريقاً من ثلاثة رجال دين كبار لتولي قيادة المرحلة الانتقالية، لكن أسمائهم لم تُكشف بعد. حتى لو نجح هذا الفريق في فرض مرشحه، فإن التحدي الأكبر سيكون قدرته على ملء الفراغ الهائل الذي تركه خامنئي، الذي حكم لأربعة عقود ومركز السلطة بيده بشكل لم يسبق له مثيل.

3. سيناريو العودة الملكية: إحياء “أسد وشمس” إيران

يبرز سيناريو عودة النظام الملكي بقيادة رضا بهلوي، نجل آخر شاه لإيران، كاحتمال يطرح بجدية في ظل الفراغ السياسي والغضب الشعبي ضد النظام. يقدم بهلوي (65 عاماً) نفسه كصوت وحدة المعارضة، داعياً إلى “حكومة علمانية ديمقراطية” يُحدد مستقبلها باستفتاء شعبي، لا إلى ملكية مطلقة. يشير مؤيدوه لاستطلاعات تزعم أن 80% من الإيرانيين يفضلونه، وإن كانت هذه النسبة محل شك لصعوبة القياس داخل إيران.

تواجه هذا السيناريو تحديات كبرى: أولها انقسام المعارضة، حيث ترفض مريم رجوي (المجلس الوطني للمقاومة) بشدة عودة الملكية معتبرة الإيرانيين “يرفضون كلاً من الشاه والملالي”. ثانياً، تشكل ذكرى انقلاب 1953 (أجاكس) جرحاً تاريخياً، فأي دعم أمريكي مباشر لبهلوي سيواجه اتهامات بــ “التدخل الأجنبي” و”نهب النفط”. وأخطر التحديات يتمثل في الحماية الأمنية؛ فالحرس الثوري المنتشر يهدد وجودياً أي حكومة انتقالية، مما قد يستدعي “أحذية على الأرض” وقوات مدربة أمريكياً لحماية بهلوي. يبقى هذا السيناريو الأكثر إثارة للجدل، حيث يجمع بين رمزية تاريخية موحدة ودعم غربي من جهة، وذكرى القمع والتبعية للغرب وانقسام المعارضة من جهة أخرى.

4. سيناريو الانهيار والفوضى: شبح الحرب الأهلية

الاحتمال الرابع هو الأسوأ على الإطلاق؛ فشل الآليات الانتقالية وانهيار الدولة التي ليست كياناً متجانساً، بل هي فسيفساء من الأعراق والقوميات، حيث يشكل الأذر والعرب والأكراد والبلوش والأتراك أقلية كبيرة ذات هويات متميزة. في حال ضعف قبضة الحكومة المركزية، قد تعلن هذه المناطق استقلالها الفعلي، أو تسيطر عليها ميليشيات محلية. وتشير تحذيرات داخلية إلى أن الاستقطاب المجتمعي بلغ مستويات غير مسبوقة. فقد حذر موقع “فرارو” الإخباري قبل أيام من أن الاستقطاب يقلل فرص الحوار ويزيد العنف في المجتمع، حيث باتت الفرقاء ينظرون إلى بعضهم كأعداء. هذا الوضع، بالإضافة إلى صراع النخب في العاصمة، قد يخلق ظروفاً مواتية لاندلاع حرب أهلية شاملة.

شهدت الأسابيع الماضية تقارير عن محاولة انقلاب فاشلة قادها الرئيس السابق حسن روحاني ووزير خارجيته محمد جواد ظريف، لكن يبدو أن لاريجاني رفض دعمها. هذا يؤشر إلى حالة الانقسام حتى داخل النخبة الحاكمة. ويبقى السؤال الأهم: هل سيخرج الشعب الإيراني إلى الشوارع مرة أخرى، بعد الحملة الدامية التي قمعت الاحتجاجات السابقة وأودت بحياة الآلاف؟

ثالثاً: المتغيرات المؤثرة في المشهد

أ. العامل العرقي والانفصالي: شهدت الأسابيع الأخيرة تطوراً لافتاً تمثل في تشكيل خمس فصائل كردية جبهة موحدة ضد النظام. هذا التنظيم قد يكون نذيراً بتحركات مماثلة في مناطق الأهواز وسيستان وبلوشستان، خاصة إذا انشغلت الدولة بصراع الخلافة في طهران؛

ب. العامل الاقتصادي: كان الاقتصاد الإيراني يعاني أصلاً من عقوبات قاسية وسوء إدارة مزمن. محللون اقتصاديون حذروا من أن إيران تقف على “شفا حرب” نتيجة الضغوط الاقتصادية، وأن أي صدمة جديدة، مثل قطع دعم الخبز أو البنزين لتمويل عجز الميزانية، قد تفجر الوضع؛

ج. العامل الإقليمي والدولي: الغارات الأمريكية الإسرائيلية لم تستهدف فقط قيادة النظام، بل امتدت إلى منشآت نووية وقواعد عسكرية. رد إيران كان بإطلاق صواريخ على إسرائيل وقواعد أمريكية في الخليج. هذا التصعيد يحمل خطر نشوب حرب إقليمية شاملة، قد تجر دول الخليج التي تبني مراكز مالية وتقنية إلى صراع تدميري. كما أن تدفق اللاجئين الإيرانيين وزعزعة استقرار مضيق هرمز سيكون له تداعيات كارثية على الاقتصاد العالمي؛

د. الموقف الأمريكي: يعتمد الرئيس ترامب استراتيجية “تغيير النظام دون احتلال”، عبر الضربات الجوية وتشجيع الانتفاضة الشعبية. لكن خبراء يحذرون من أن “تغيير النظام” ليس سهلاً، فالتاريخ الأمريكي في العراق (1991) علَّم الشعوب ألا تثق بتشجيع خارجي لا يعقبه دعم حقيقي. كما أن رفض ترامب إرسال قوات برية، رغم تفهم دوافعه، يحد بشدة من قدرته على التحكم في النتائج على الأرض؛

الخلاصة: إيران في مفترق طرق تاريخي.

تقف إيران اليوم عند مفترق طرق خطير. من ناحية، يمثل اغتيال خامنئي فرصة ذهبية للإطاحة بنظام قمعي يصفه معارضوه بأنه “أكثر أنظمة العالم عزلة”. ومن ناحية أخرى، فإن الإطاحة بهذا النظام لا تعني تلقائياً قيام ديمقراطية علمانية. الإحصائيات تشير إلى أن حوالي ثلاثة أرباع التحولات في الأنظمة الاستبدادية تؤدي إلى شكل آخر من الحكم الاستبدادي، خاصة عندما تكون مدفوعة بالعنف الخارجي أو الداخلي. والرهان الأكبر هو على الشعب الإيراني، الذي أظهر في السنوات الأخيرة استعداداً هائلاً للتضحية من أجل الحرية. لكن في غياب قيادة منظمة على الأرض، وقدرة الأجهزة الأمنية على القتل الجماعي، يبقى السيناريو الأكثر ترجيحاً هو صراع طويل الأمد بين فصائل النظام القديم، سواء تحت راية رجل دين جديد أو قائد عسكري أو زعيم ملكي، مع استمرار حالة الغليان الشعبي والاحتجاجات المتقطعة.

في النهاية، قد لا يكون مستقبل إيران إما جمهورية إسلامية أو ديمقراطية غربية، بل قد يكون مزيجاً مضطرباً من الفوضى والعسكرة والمقاومة المدنية، وهي معادلة صعبة ستحتاج سنوات حتى تستقر على صيغة نهائية. ما يحدث اليوم في طهران ليس مجرد تغيير زعيم، بل هو زلزال قد يعيد تشكيل خريطة الشرق الأوسط برمتها.

-دكتوراه قانون دولي عام وعلاقات دولية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.