الانتخابات كَما عاشَها طفلٌ.. قلم : عبد الفتاح لحجمري
قلم : عبد الفتاح لحجمري
مَوْسِمُ الوجوه المعلّقة والوُعود المعلّبة
متى تبدأ الحملة الانتخابية فعلًا؟ أحين يعلّق المرشحون صورهم على الجدران، أم حين تبدأ المدينة في التصرّف كأنها تعرفهم منذ زمن بعيد؟ كيف تتحوّل الأزقّة الهادئة، في لحظة واحدة، إلى معرض واسع لابتسامات مستعجلة ووعود معلّقة؟ ولماذا يطمئن الكبار إلى هذا الاحتفال الموسمي، بينما يلتقط الأطفال، ببراءتهم القاسية، خللًا خفيًا في الحكاية؟ ينظرون إلى الوجوه المعلّقة، يصغون إلى الشعارات، يركضون خلف السيارات الصاخبة، ثم يتساءلون: هل جاء هؤلاء حقًا لإنقاذنا، أم لمجرّد تزيين الجدران إلى حين؟ وهل تحتاج الحقيقة إلى مكبّر صوت، ومنصّة، وصورة بحجم نافذة، كي تقنع الناس بأنها موجودة؟
وجوه موسمية على جدران مُتعبة
أتذكر أن الحملة الانتخابية في طفولتي كانت تشبه العيد، عيدًا بدون مناسبة تقريبا، وبلا سبب محترم للفرح. كنا نستيقظ فنجد الجدران قد بدّلت ملامحها في الليل، كأن المدينة خضعت لعملية تجميل رديئة. وجوه غريبة تزاحم تشققات الطلاء، تبتسم بثقة فاخرة لم يمنحها أحد لها. كنت أظن أن المدينة اكتشفت فجأة عائلة واسعة من الأقارب، جاءوا من العدم كي يبتسموا لنا، ثم يختفوا بعد أن ينتهي الموسم. كانت الشعارات أول درس تلقَّيْتُه في البلاغة حين ترتدي بدلة رسمية وتبيع الهواء. كلمات ضخمة مثل: الكرامة، الغد، الإصلاح، المستقبل. كنت أردِّدُها كما أردد أناشيد المدرسة، بحماس طفل لا يعرف أن بعض الكلمات تعمل مثل العطر الرخيص: تنتشر بسرعة، ثم تترك صداعًا خفيفًا. سألت أبي مرة: هل تعيش هذه الكلمات معنا بعد الانتخابات؟ فضحك ضحكة قصيرة، تلك الضحكة التي يقول بها الكبار الحقيقة حين يخافون من شَرْحها.
أما التجمعات، فقد كانت مهرجانًا مجانيًا لنا نحن الأطفال. كنا نركض خلف السيارات التي تطلق الأغاني الحماسية في الشوارع، لا لأننا فهمنا البرنامج، ولا لأننا اخترنا قناعة سياسية مبكرة، وإنما لأن الصوت العالي يمنح الطفل شعورًا كاذبًا بأنه يشارك في حدث عظيم. فوق المنصات، كان الرجال يصرخون كثيرًا، يلوّحون بأيديهم كأنهم يطردون ذبابة عملاقة لا يراها أحد. لم أفهم خُطَبهم، غير أنني فهمت قاعدة ذهبية: التصفيق لا يحتاج إلى عقل، يحتاج فقط إلى شخص يبدأ، ثم يتكفل التجمُّعُ بالباقي.
حين يصبح الجدار أكثر صدقًا من الخطيب
كانت الملصقات لعبتي المفضلة. كنت أعدّ الوجوه، أختار أكثرها لطفًا، وأحاول أن أتخيل أصحابها في حياتهم اليومية. هل يبتسم هذا الرجل وهو يأكل وحده؟ هل يعرف أسماء الأطفال الذين يمرون تحت صورته؟ هل يستطيع أن يصبح جارًا عاديًا يشتري الخبز وينسى المفاتيح؟ بعد أيام، كنت أعود فأجد وجهًا ممزقًا، عينًا اختفت، فَمًا شطّبه الغضب، وجبهةً احتلها مرشح آخر. عندها كنت أشعر أن المدينة دخلت معركة صامتة، وأن الجدران وحدها تدفع الفاتورة.
في المدرسة، اخترعنا لعبة اسمها المرشح والناخب. يترشح أحدنا، ويجلس الآخرون في دور الشعب الذي يصفق بسرعة ويندم ببطء. لم يكن يفوز الأذكى، كان يفوز من يستطيع الكلام طويلًا دون أن يقول شيئًا واضحًا. كنا نضحك، لكننا كنا نتدرب على العالم الحقيقي دون أن ننتبه. وحين سألنا المعلم عما نريد أن نصبح، لم نقل أطباء ولا مهندسين، قال بعضنا بحماس: نريد أن نصبح وجوهًا على الجدران. يا لها من طموحات مُعلقة بمسامير رخيصة.
حاولت مرة أن أقلد المرشحين. وقفت فوق حجر صغير في الحيّ، رفعت يدي كما يفعلون، وقلت بصوت مرتجف: أعدكم… ثم توقفت. لم أعرف بماذا أعد. نظر إليّ أصدقائي بجدية ناخبين ينتظرون المعجزة. اختصرت الطريق وقلت: أعدكم بكل شيء. صفقوا بحرارة. في تلك اللحظة فهمت درسًا سياسيًا مبكرًا: كلما كبر الوعد، صار أسهل في النطق وأصعب في المحاسبة.
كانت السيارات ترمي الوعود كما ترمي الحلوى في الأعراس. كنا نلتقطها بفرح، ثم نكتشف أنها لا تصلح للأكل، ولا تصلح حتى للذكرى. ومع ذلك، كنا نحتفظ بها في جيوبنا، كأنها ستنضج يومًا ما. هكذا تعلّمنا أن بعض الوعود لا تموت، إنها فقط تنتقل من حملة إلى أخرى، مثل أثاث قديم يبدل أصحابه ويحتفظ بنفس الغبار. أما الشعارات، فقد تحولت في رأسي إلى ألغاز صغيرة: “معًا من أجل المستقبل”؛ أي مستقبل؟ مستقبل من؟ ولماذا يقولون “معًا” دائمًا من فوق منصة عالية؟ كنت أشعر أن كلمة “معًا” لها طابَقان: طابق سفلي نعيش فيه نحن، وطابق فاخر يصعدون إليه وحدهم بعد انتهاء التصفيق. ثم كبرت قليلًا، وظهرت أدوات جديدة. أحاديث مسجلة، طويلة، هادئة، مرتبة مثل غرفة استقبال لا يعيش فيها أحد. صار الناس يسمونها “بودكاستات”. كنت أسمعها فأشعر أنها اعترافات طويلة يحرص أصحابها على ألا يعترفوا بأي شيء. نفس الوجوه، نفس الكلمات، نفس الفراغ، مع نبرة أكثر نعومة، كأن الحقيقة تحتاج إلى كرسي مريح كي تختبئ جيدًا.
مكبرات الصوت حين تنوب عن الحقيقة
وجاءت “الخرجات” لتكشف ما لا تكشفه الخطب. في طفولتي، ظننتها مجرد زلات لسان، مثل أخطاء الأطفال حين يخلطون الكلمات. لاحقًا فهمت أنها لحظات نادرة تهرب فيها اللغة من حارسها، فتقول ما درّبوها طويلًا على إخفائه. كان الكبار يضحكون أو يغضبون، وكنت أشعر أن ستارًا صغيرًا انزاح، وأن الوجه الحقيقي أطلّ لثانية، ثم عاد مسرعًا إلى صورته الرسمية. في المساء، حين تخفت الأصوات وتنام مكبرات الصوت أخيرًا من فرط الوطنية، كنت أسأل نفسي: لماذا يحتاج الكبار إلى كل هذا الضجيج كي يقولوا أشياء بسيطة؟ لماذا لا يتحدثون كما نتحدث نحن، بدون منصات، ولا شعارات، ومن غير وجوه معلقة فوق رؤوسنا؟ كنت أنام وأنا مقتنع أنني حين أكبر سأفهم اللعبة. كبرت، واكتشفت أن المشكلة لم تكن في طفولتي، كانت في اللعبة نفسها.
المدينة التي تغيّر صورها ولا تغيّر حالها
كلما عادت الحملة الانتخابية، عاد معها طفلٌ قديم في داخلي. ذلك الطفل الذي كان يرى فيها مهرجانًا واسعًا في الشارع: أصواتٌ عالية، وجوهٌ متحمسة، ضحكٌ وتصفيقٌ وخصومات عابرة، ثم ناسٌ يعودون إلى بيوتهم محمّلين بالوعود كما يُحمَل الغبار على الثياب. كنتُ أفهم الحملة يومها كما يفهم الطفل المسرح: عرضٌ كبير، كثير الضجيج، قليل الحقيقة. واليوم أسأل نفسي: هل كان ذلك الطفل ساذجًا لأنه ضحك، أم كان أكثر فطنةً لأنه أدرك أن الضحك، أحيانًا، هو آخر وسيلة لمقاومة الخديعة؟ فهل تغيّرت الحملة الانتخابية حقًا، أم أنها بدّلت أقنعتها فقط؟ وهل تغيّر العرض، أم تغيّرت الإضاءة واللافتات والممثلون؟ ثم من يجرؤ، في النهاية، على طرح السؤال الذي يفسد المسرحية كلها: إذا لم يكن هذا العرض موجّهًا إلينا، فلماذا تُعلَّق أسماؤنا على بابه؟