الحج رحلة إصلاح داخلي قلم : أحمد لعيوني
قلم : أحمد لعيوني
يمر خطابنا الديني اليوم بمرحلة دقيقة فرضتها تحولات الواقع وتحديات النفس البشرية في العصر الحديث. لم يعد كافيا أن ننظر إلى التدين كالتزام شكلي بظاهر النص، بل أصبحت الحاجة ملحة لبعث الروح في جسد العبادات، وربطها بمقاصدها الكبرى. فالدين في جوهره ليس مجرد طقوس تُؤدى بمعزل عن حركة الحياة، وإنما هو مشروع لصناعة الإنسان؛ روحا، وخلقا، وعطاء.
وفي هذا السياق، يكمن جوهر المقاربة المقاصدية في الانتقال من الوقوف عند حدود الممارسة إلى الغوص في المعنى. فبدلا من الاكتفاء بالسؤال الفقهي التقليدي: كيف نعبد؟، يبرز السؤال الحضاري الأهم: لماذا نعبد؟. إن الشعائر لم تشرع لتكون عبئا أو حركات رتيبة نؤديها بدافع العادة أو الخوف، بل هي جسر نحو السكينة النفسية، ومحضن للارتقاء الأخلاقي الذي يصل الإنسان بعالم القيم.
إن الحرص على السنن والانضباط في العبادة يمثل بلا شك صورة من صور المجاهدة الروحية التي تمنح المؤمن طمأنينة وجودية. لكن هذه التجربة لا تكتمل إلا حين يمتزج الالتزام الظاهري بوعي المقاصد، فتتحول الصلاة والصوم والحج من أداء آلي إلى طاقة أخلاقية تنعكس مباشرة على السلوك اليومي والعلاقة مع الآخرين.
ومن هنا تتجلى الحاجة اليوم إلى تجاوز التدين المنغلق الذي يحصر الدين في شكليات ضيقة، نحو تدين مفتوح ومسؤول يجعل من التواضع والإحسان المعيار الحقيقي للتقوى. فالدين مساحة للسمو والحرية الروحية، وليس مبررا للاستعلاء أو الانعزال. والمؤمن الواعي يدرك جيدا أن المشقة ليست مقصودة لذاتها، بل هي وسيلة للتهذيب، وأن اليسر مقصد أصيل في شريعتنا. لذا، فإن التدين المتوازن هو الذي يجمع بين دقة الاتباع وسعة الرحمة.
ومن هنا، تعد خطبة الجمعة : من مقاصد الحج الإخلاص والتفويض، نموذجا عمليا لهذا الفكر المقاصدي. فهي لم تقف عند سرد أحكام المناسك بطريقة تقليدية، بل نفذت إلى جوهر الرحلة؛ معتبرة الحج رحلة إصلاح داخلي لتحرير النفس من الأنانية والماديات.
حين استحضرت الخطبة قوله تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾، وسعت مفهوم المنفعة ليتجاوز المصلحة الفردية إلى آفاق إيمانية واجتماعية واقتصادية شاملة. كما تجلى البعد التربوي في ربط الحج بضبط النفس والصبر : ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾، وهو ما يؤسس لمنهج أخلاقي مستمر لا ينتهي بانتهاء أيام الحج.
إن التدين الحقيقي لا يعرف الانكفاء أو الهروب من المجتمع، بل هو قوة تدفع الفرد نحو المشاركة الإيجابية. فالمجتمع ليس فضاء للفتنة، بل هو الميدان الحقيقي لاختبار القيم؛ في خدمة الناس، واحترام القانون، ونشر قيم التسامح.
عندما نربط بين الإخلاص لله تعالى واحترام حقوق العباد، كما في خطبة الوداع، ندرك أن نزاهة العمل وعدالة المعاملة هي الثمرة الحقيقية للعبادة. إن التقرب إلى الله لا ينفصل عن الإحسان إلى خلقه، تحقيقا للرسالة النبوية ، “أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس”.
وخلاصة القول، إن مستقبل التدين يكمن في هذا التكامل بين إخلاص الشعيرة ورحابة الفكر. حين تصبح العبادة مشروعا أخلاقيا وإنسانيا شاملا، يتوقف الدين عن كونه مجرد التزام طقوسي، ليصبح رسالة بناء وسلام، ووسيلة لتزكية النفوس وإعمار الأرض بالخير والجمال.