الهجرة الجماعية في شمال المغرب: قراءة في ضوء سيكولوجية الجماهير والهوية الاجتماعية والحرمان النسبي

138

قلم : حياة البدري 

 

 

لم تعد الهجرة غير النظامية مجرد قرار فردي يتخذه شخص يبحث عن فرصة عمل أو تحسين مستوى عيشه، بل أصبحت في كثير من الأحيان ظاهرة جماعية تتكرر على شكل موجات تضم مئات أو آلاف الأشخاص، كما حدث في عدد من مناطق شمال المغرب خلال السنوات الأخيرة. وما يثير الانتباه في هذه الأحداث ليس فقط العدد الكبير للمشاركين، بل أيضا استعداد كثير منهم للمجازفة بحياتهم رغم إدراكهم للمخاطر القانونية والإنسانية. وهذا يدفعنا إلى التساؤل: كيف يمكن تفسير هذا السلوك الجماعي؟ وهل يكفي العامل الاقتصادي وحده لفهمه؟

يرى عالم النفس الاجتماعي الفرنسي “غوستاف لوبون” في كتابه سيكولوجية الجماهير (1895) أن الفرد عندما يصبح جزءا من حشد كبير يتغير نمط تفكيره وسلوكه. فداخل الجماعة تضعف الرقابة الذاتية، ويشعر الفرد بأنه أقل مسؤولية عن أفعاله، بينما تنتقل المشاعر والأفكار بسرعة بين أفراد الحشد فيما يعرف بـ”العدوى النفسية”. وفي سياق الهجرة الجماعية، قد يبدأ الأمر بعدد محدود من الأشخاص، ثم تنتقل الحماسة والأمل والجرأة إلى الآخرين، فيتحول القرار الفردي إلى حركة جماعية واسعة، حيث يصبح الحشد مصدرا للشعور بالقوة والأمان.
ورغم أهمية تفسير “لوبون”، فإن علم النفس الاجتماعي الحديث يرى أن أفراد الحشود لا يفقدون عقولهم كما كان يُعتقد، بل يتصرفون وفق هوية جماعية مشتركة. وتؤكد “نظرية الهوية الاجتماعية*، التي طورها “هنري تاجفيل” ثم وسعها “جون تيرنر”، أن الإنسان يعرّف نفسه من خلال انتمائه إلى جماعات معينة. وعندما يشعر عدد كبير من الشباب بأنهم يشتركون في الظروف نفسها من بطالة أو تهميش أو غياب الفرص، تتكون بينهم هوية جماعية تجعلهم يرون الهجرة مشروعا مشتركا، وليس مجرد قرار شخصي. لذلك، فإن المشاركة في موجة جماعية تمنح الفرد إحساسا بالانتماء والتضامن، وتخفف لديه الشعور بالخوف.

ومن جهة أخرى، تقدم “ظرية الحرمان النسبي” تفسيرا لا يقل أهمية. فالمشكلة لا تكمن دائما في الفقر المطلق، بل في شعور الفرد بأنه محروم مقارنة بغيره. فبفضل وسائل التواصل الاجتماعي، يشاهد الشباب يوميا صورا لحياة الرفاهية في أوروبا، أو نجاح أشخاص تمكنوا من الهجرة، فينشأ لديهم شعور بأنهم أقل حظا، وأن الفرص المتاحة لهم داخل وطنهم محدودة. وهذا الشعور قد يكون أكثر تأثيرا من الوضع الاقتصادي نفسه، لأنه يولد الإحباط وفقدان الثقة في المستقبل.

كما تلعب شبكات التواصل الاجتماعي دورا محوريا في تضخيم الظاهرة. فهي لا تنقل الأخبار فقط، بل تصنع أيضا حالة من التعبئة الجماعية. فقد تنتشر خلال ساعات دعوات للتجمع أو إشاعات عن إمكانية العبور، فيتفاعل معها آلاف الأشخاص دون التحقق من صحتها. وهنا تتداخل العدوى النفسية مع التأثير الرقمي، ليصبح القرار الجماعي أسرع وأكثر اندفاعا.
ولا يمكن فصل هذه الظاهرة عن أبعادها السياسية. فالتفاوت الكبير في التنمية بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط، واستمرار النزاعات في بعض الدول الإفريقية، وتشديد أو تخفيف سياسات الهجرة الأوروبية في فترات معينة، كلها عوامل تؤثر في حجم موجات الهجرة. كما أن بعض المهاجرين ينظرون إلى المغرب باعتباره محطة عبور نحو أوروبا، مما يزيد من تعقيد المشهد ويجعل الظاهرة ذات أبعاد إقليمية ودولية.
أما من الناحية الاجتماعية، فإن البطالة، وارتفاع تكاليف المعيشة، وضعف الحراك الاجتماعي، والشعور بانسداد الأفق، تدفع كثيرا من الشباب إلى الاعتقاد بأن مستقبلهم يوجد خارج حدود الوطن. ويزداد هذا الاعتقاد عندما يسمعون قصص النجاح، بينما تغيب عنهم قصص الفشل والغرق والاستغلال التي يتعرض لها كثير من المهاجرين غير النظاميين.
ومن منظور نفسي، يمكن القول إن الهجرة الجماعية ليست مجرد بحث عن فرصة اقتصادية، بل هي أيضا تعبير عن الحاجة إلى الكرامة، وتحقيق الذات، والشعور بالأمل. فعندما تتراجع هذه الاحتياجات داخل المجتمع، يصبح الفرد أكثر استعدادا للمخاطرة، خاصة إذا وجد نفسه محاطا بحشد يشجعه ويشاركه المشاعر نفسها.
إن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب رؤية شاملة لا تقتصر على المقاربة الأمنية، بل تشمل أيضا الاستثمار في الشباب، وتحسين جودة التعليم والتكوين، وخلق فرص الشغل، وتعزيز العدالة المجالية، إلى جانب توفير خدمات للدعم النفسي والإرشاد المهني، وترسيخ ثقافة التفكير النقدي في التعامل مع الأخبار والإشاعات المتداولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

وبالتالي، فالهجرة الجماعية ليست مجرد حركة انتقال من مكان إلى آخر، بل هي مؤشر اجتماعي ونفسي وسياسي يعكس مستوى الأمل الذي يشعر به الشباب في مجتمعاتهم. وكلما نجحت الدول في بناء الثقة، وتوسيع فرص المشاركة والتنمية، تراجعت الحاجة إلى البحث عن مستقبل مجهول عبر البحر، لأن الإنسان، في النهاية، لا يهاجر فقط من الفقر، بل يهاجر أيضا من فقدان الأمل.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.