ليلة لا تشبه سائر الليالي….قلم : عبد الجليل ابو الزهور 

72

قلم : عبد الجليل ابو الزهور 

 

 

دمنات، شتاء سنة 1969
كانت دمنات في أواخر ستينيات القرن الماضي مدينة صغيرة، يعرف أهلها بعضهم بعضاً، وتنتقل الأخبار فيها أسرع من وقع أقدام العابرين في أزقتها الضيقة.
كان النهار للناس جميعاً؛ للأسواق والدكاكين والفلاحين والعمال، ولأولئك الذين يخرجون مع الفجر بحثاً عن قوت يومهم.
أما الليل، فكان له عالم آخر.
في تلك السنوات لم تكن بالمدينة سوى حانتين. وكان لكل واحدة منهما روادها، أولئك الذين كانوا يجدون في الخمر والجعة ملاذاً من قسوة الحياة، أو يبحثون عن ساعات من النسيان بعيداً عن أعين الناس.
لكن الحانتين لم تكونا مجرد مكانين للشرب.
ففي بعض الليالي، كانت تتحولان إلى فضاء تلتقي فيه السلطة بالنفوذ، والمال باللهو، والرجال الذين لا يظهرون كثيراً في النهار بأشخاص يعرفون جيداً كيف يديرون لياليهم في الظلام.
وكان في المدينة فريقان.
لكل فريق رجاله، ولكل فريق شخص يتصدر المشهد.
كان على رأس الفريق الأول رجل يحمل رتبة عسكرية محترمة. وكانت تلك الرتبة، كما كان يتداول الناس آنذاك، تمنحه نفوذاً يتجاوز حدود الزي العسكري.
فقد تمكن من اقتناء أراضٍ فلاحية، وامتدت مصالحه إلى مياه الري التي كان صغار الفلاحين والملاك يعتمدون عليها في حياتهم ومعاشهم.
وكانت الأرض والماء، بالنسبة إلى الفلاح، أكثر من مجرد ملكية؛ كانا الحياة نفسها.
لكن صاحب النفوذ لم يكن يرى الأمور دائماً بعين الفلاح.
وكانت له، إلى جانب ذلك، طريقة خاصة في حماية ضيعته ومصالحه. إذ كان يستعين بجنود ينحدرون من المنطقة، فيشغل بعضهم كحراس لضيعاته وأملاكه، مستفيداً من سلطته ومكانته ومن الولاءات التي كانت تصنعها الظروف.
وفي الجهة المقابلة، كان هناك فريق آخر يقوده رجل ينتمي إلى عائلة من العائلات النافذة في المنطقة، وكان يعمل ضمن جهاز ذي صلة بالاستخبارات العسكرية.
لم تكن العائلة بحاجة إلى تعريف.
يكفي أن يُذكر اسمها حتى يعرف الناس أن وراءه نفوذاً وثقلاً وعلاقات.
وهكذا كان لكل فريق عالمه الصغير، ورجاله، وأسراره.
وكان لكل واحد منهما أيضاً شخص هامشي، يعيش قريباً من عالم المتسكعين، لكنه كان يؤدي وظيفة يعرف الجميع قيمتها داخل تلك الدوائر.
كان هؤلاء يعرفون كيف يعثرون على النساء لقضاء السهرات، وكيف يوفرون الطعام والشراب، وكيف ينظمون الليالي الحمراء.
وكان المقابل بسيطاً:
بعض الدراهم…
وقليل من الطعام…
وبقايا الشراب.
لكنهم كانوا يعرفون أن ما يحصلون عليه لم يكن مجرد أجر؛ كان ثمن قربهم من عالم لا يستطيعون دخوله من أبوابه الكبرى.
ثم جاءت تلك الليلة.
كانت ليلة شتائية من سنة 1969.
السماء ملبدة، والبرد يهبط على المدينة شيئاً فشيئاً، والطرقات تفرغ من المارة.
كان من المعتاد أن يحضر الفريق الذي يقوده العسكري إلى الحانة التي اعتاد الاجتماع فيها.
لكن تلك الليلة كانت مختلفة.
لم يحضر الفريق.
وبدلاً منه، دخل رجال الفريق الثاني.
جلسوا حول طاولتهم، وبدأت القنينات تتوالى.
واحدة بعد أخرى.
كانت الضحكات تعلو، والكلام يصبح أكثر جرأة كلما ارتفع منسوب السكر.
وفي زاوية من المكان كان يجلس رجل مرتبط بالفريق الأول.
كان يحمل اسماً قريباً من اسم شخصية قيادية يهودية معروفة، وكان، حسب ما بقي متداولاً في الذاكرة، من الأشخاص الذين توكل إليهم المهمات القذرة التي لا يريد أصحاب النفوذ أن تلتصق بأيديهم مباشرة.
كان رجلاً وقحاً.
وكان يعرف أنه محمي.
ولذلك كان يتصرف بثقة من لا يخشى العواقب.
اقتربت الساعة من منتصف الليل.
كان الجميع تقريباً قد بلغوا مرحلة لم تعد فيها الكلمات محسوبة.
قال الرجل شيئاً مستفزاً.
لم ينتبه أحد في البداية.
ثم أعاد كلامه.
هذه المرة كانت الإهانة واضحة.
رفع رئيس المجموعة، ابن العائلة النافذة، رأسه.
نظر إليه طويلاً.
قال له بصوت خافت:
— «أعد ما قلت.»
ضحك الرجل.
لم يكن يعرف، أو ربما لم يهتم، أن بعض الكلمات حين تقال في لحظة معينة يمكن أن تصبح أخطر من السلاح.
أعاد كلامه، وأضاف إليه ما هو أكثر استفزازاً.
ساد صمت قصير.
ثم حدث كل شيء بسرعة.
نهض رئيس المجموعة.
اقترب منه.
وفي لحظة غضب، وجه إليه ضربة قوية.
سقط الرجل.
ارتطم رأسه بالأرض.
تجمدت الضحكات.
لم يعد أحد يتكلم.
اقترب أحدهم منه.
— «انهض…»
لم يجب.
هزه أحدهم.
لا شيء.
اقترب آخر.
وضع يده عليه.
ثم نظر إلى الآخرين.
كان الصمت هذه المرة يقول كل شيء.
لقد مات.
كانت لحظة كهذه كافية لتحويل السهرة إلى كارثة.
لكن الكارثة لم تكن، في نظر من كانوا داخل المكان، هي الموت وحده.
كان السؤال الأخطر:
ماذا سنفعل الآن؟
لم يكن بينهم رجل عادي.
كان هناك النفوذ.
والعائلة.
والعلاقات.
والخوف من أن تنفتح الأبواب على أشياء أكبر من مجرد شجار في حانة.
بدأت الأفكار تتسابق.
لا أحد يريد أن يرى الجثة هنا.
ولا أحد يريد أن تخرج القصة من هذه الغرفة.
وفي النهاية، اتخذ القرار.
يجب أن تبدو المسألة وكأنها حادثة.
أُخرجت الجثة في صمت.
كانت المدينة غارقة في الليل، والبرد يساعد على إخفاء آثار الحركة.
نُقلت الجثة إلى ملتقى للطرق وسط المدينة.
كان المكان مناسباً لصناعة رواية جديدة.
رواية لا تتحدث عن حانة.
ولا عن الخمر.
ولا عن الاستفزاز.
ولا عن الضربة.
ولا عن الرجل الذي سقط ميتاً.
رواية بسيطة:
حادثة سير.
لكن الحادثة كانت تحتاج إلى سيارة.
فأُحضرت سيارة كانت في ملكية ابن العائلة النافذة.
وكان لا بد من شخص يقودها.
فتم استدعاء رجل كان اسمه، كما بقيت الحكاية تروي، شبيهاً باسم  العربة المدفوعة باليد ومنطوقة بالفرنسية .
وهكذا بدأت عملية إخراج المشهد.
جثة في الطريق.
سيارة.
ملتقى طرق.
وليل بارد.
كل شيء يجب أن يبدو، لمن يراه في الصباح، وكأن رجلاً صدمته سيارة وانتهى الأمر.
كانت المدينة نائمة.
ولم تكن تعرف أن مشهداً كاملاً كان يُرتب في الظلام.
وقبل أن يطلع الصباح، كانت الجثة قد أخذت مكانها الجديد.
لم تعد جثة رجل مات داخل حانة.
أصبحت، في الرواية التي أريد لها أن تصل إلى الناس، جثة شخص ضحية حادثة سير.
وبدأت السيارات الأولى تعبر الطريق.
وبدأ الفجر يرسم خيوطه الباردة فوق المدينة.
وفي مكان ما، كانت أبواب الحانة مغلقة.
الطاولات صامتة.
القنينات فارغة.
والليلة التي بدأت بالخمر والضحك انتهت بجثة على الطريق.
لكن الحقيقة، إن كانت الذاكرة قد حفظتها كما رويت، لم تكن قد ماتت مع صاحبها.
فقد بقيت الحكاية تتناقلها الألسن، جيلاً بعد جيل، مثل سر ثقيل لا يريد أن يختفي.
وكان السؤال الذي ظل يرافقها دائماً:
هل كان الرجل ضحية حادثة سير؟
أم أن السيارة لم تكن سوى جزء من مشهد صُنع بعد وقوع الجريمة؟
وهل استطاع النفوذ أن يدفن الحقيقة كما دُفنت الجثة؟
ربما لا يستطيع المؤرخ أن يجيب عن كل هذه الأسئلة من دون وثائق وشهادات.
لكن المدن القديمة لا تحفظ تاريخها في الأرشيفات وحدها.
أحياناً تحفظه في ذاكرة كبار السن، وفي الحكايات التي تُروى همساً، وفي أسماء أشخاص لم يعد أحد يريد أن يذكرهم، وفي ليالٍ بعينها يتذكرها الناس رغم مرور عشرات السنين.
وكانت ليلة شتاء سنة 1969 واحدة من تلك الليالي.
ليلة بدأت بقنينات الجعة…
وانتهت بجثة على الطريق.
وبين البداية والنهاية، كان هناك شيء أكبر من حادثة عابرة:
كان هناك نفوذ، وخوف، وصمت، وحقيقة لم يعرف أحد، حتى اليوم، هل دُفنت مع صاحبها أم أنها ظلت حية في ذاكرة المدينة.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.