من روسو إلى الحصري..قلم :كرم نعمة

81

قلم :كرم نعمة

 

في أحد أيام عام 1749، كان جان جاك روسو يسير في شوارع باريس حين وقعت عيناه على سؤالٍ علّقه المجمع العلمي في ديجون: هل أفضى ارتقاء العلوم والفنون في ارتقاء الأخلاق وتزكيتها من شوائب المفاسد؟ وأطلقه آنذاك على المفكرين والفلاسفة والأدباء في مسابقة يكافأ فيها من يقترح أفضل إجابة.

يصف ساطع الحصري في كتابه “آراء وأحاديث في العلم والأخلاق والثقافة” تلك اللحظة بوصفها شرارةً اخترقت حياة روسو، كأن السؤال لم يكن دعوة للمشاركة في مسابقة، بل صفعة أيقظت عقله من سباته.

وفي لحظةٍ معاصرة أكثر مرارة، نرى كيف أن الانحطاط الطائفي في العراق اليوم يحاول أن يقدّم ساطع الحصري وفق غريزته الطائفية، كأن الرجل الذي كرّس حياته لفكرة الأمة يُعاد تشكيله اليوم في مختبرات الانقسام، لا بوصفه مفكراً مصلحا تربويا، بل كمادة خام تُستخدم في صراع الهويات. هذا التشويه نفسه هو دليل إضافي على أن التكنولوجيا والمنصات لا تكتفي بنقل الأفكار، بل تعيد تشكيلها وفق رغبات الجماعات، وتعيد إنتاج الأخلاق كأداة صراع لا بوصفها قيمة.

وقف روسو في منتصف الطريق، والمدينة من حوله تتجمّد، وبدأ يشعر بأن العالم الذي يفاخر بتقدّم العقل قد يكون في الحقيقة يبتعد عن جوهر الإنسان.

كتب آنذاك مقالته الشهيرة التي قلبت أوروبا الفكرية رأساً على عقب، مجادلاً بأن ارتقاء العلوم لا يعني ارتقاء الأخلاق، وأن المعرفة قد تُنمّي الغرور أكثر مما تُنمّي الفضيلة. كانت تلك اللحظة، كما يصفها الحصري، ولادة سؤال أخلاقي جديد: هل يمكن للتقدّم أن يكون انحطاطاً متنكرًا؟

بعد ثلاثة قرون تقريباً، يعود السؤال إلينا، لكن بوجهٍ آخر. لم يعد الأمر يتعلق بارتقاء العلوم والفنون في القرن الثامن عشر، بل بتسارع التكنولوجيا على نحوٍ لم يعرفه التاريخ، وبصعود الذكاء الاصطناعي، وبشيوع المنصات الشخصية التي جعلت كل فردٍ ناشراً ومؤثراً وصانع سرديات. وكما وقف روسو في منتصف الطريق، نقف نحن اليوم أمام سؤال أكبر من قدرتنا على الإجابة السريعة: هل يقود هذا التقدّم الأخلاقيات إلى الارتقاء، أم إلى التآكل؟

يكتب الحصري “إن الاخلاق لم ترتق ارتقاء مناسبا مع تقدم العلوم، فأن العلوم قد تقدمت خلال القرون الأخيرة في جميع الميادين بدون استثناء، في حين الأخلاق إذا كانت قد ارتقت في بعض الميادين، فإنها انحطت انحطاطا صريحا في ميادين أخرى”.

لقد أصبح الذكاء الاصطناعي ليس مجرد أداة، بل شريكاً في التفكير، منافساً في الإبداع، ووسيطاً في العلاقات الإنسانية. المنصات الشخصية لم تعد مجرد فضاء للتعبير، الكل يدون كلمته ويمضي، بل منظومات تُعيد تشكيل الأخلاق عبر آليات الإعجاب، والانتشار، والتفاعل اللحظي. هنا، يصبح السؤال أكثر حدّة: هل ما زالت الأخلاق قادرة على اللحاق بسرعة التكنولوجيا؟

روسو كان يرى أن المعرفة تُغري الإنسان بالزهو، وأن التقدّم قد يخلق طبقة من المتعلمين الذين يملكون أدوات التفوق دون أن يملكوا فضيلته. اليوم، يمكن أن نعيد قراءة هذا الموقف عبر عدسة الذكاء الاصطناعي. المعرفة أصبحت متاحة بلا جهد، والإبداع قابلاً للاستنساخ بضغطة زر، والرأي يُصنع عبر خوارزميات لا عبر تجربة بشرية.

يقول الفيلسوف المعاصر والباحث في مفاهيم العدالة في جامعة هارفارد مايكل ساندل إن أخطر ما في التكنولوجيا أنها «تُضعف الإحساس بالاستحقاق الأخلاقي»، لأن الإنسان لم يعد يشعر أن ما ينتجه هو ثمرة جهد أو فضيلة، بل نتيجة نظام ذكي يعمل نيابة عنه.

بينما ترى أستاذة الفلسفة في جامعة أدنبره، شانون فالور أن التكنولوجيا الحديثة «تُعيد تشكيل فضائل الإنسان عبر تسريع كل شيء: الحكم، الغضب، الرغبة، والقرار». السرعة هنا ليست مجرد خاصية تقنية، بل قوة أخلاقية تُعيد صياغة السلوك.

أما المنصات الشخصية فقد خلقت عالماً جديداً للأخلاق، عالماً تُقاس فيه الفضيلة بعدد المتابعين، ويُقاس فيه الصدق بمدى الانتشار، وتُقاس فيه الحكمة بقدرتها على أن تصبح محتوى قابلاً للمشاركة. وهكذا يرى عالم النفس الاجتماعي وأستاذ القيادة الأخلاقية بجامعة نيويورك جوناثان هايدت إن وسائل التواصل «تُحوّل الأخلاق إلى عرضٍ جماهيري»، حيث يصبح الإنسان أكثر اهتماماً بالظهور الأخلاقي من الفعل الأخلاقي. وهذا يعيدنا إلى روسو الذي كان يخشى من أن تتحول الفضيلة إلى قناع اجتماعي.

الذكاء الاصطناعي لا يملك أخلاقاً، لكنه يملك القدرة على التأثير في أخلاق البشر. التكنولوجيا تُسهّل الحياة، لكنها تُعقّد المسؤولية. الذكاء الاصطناعي يُنتج معرفة، لكنه يُضعف ملكية الإنسان لهذه المعرفة. المنصات تُقرّب البشر، لكنها تُعمّق الانقسام الأخلاقي بينهم.

يقول المدير المؤسس لمعهد مستقبل الإنسانية في جامعة أكسفورد نيك بوستروم إن الذكاء الاصطناعي «يُجبرنا على إعادة تعريف الأخلاق، لا لأن الآلة أخلاقية، بل لأن الإنسان أصبح يعتمد عليها في اتخاذ قرارات أخلاقية”.

هكذا نعود إلى سؤال ديجون الذي اقترحه علينا الحصري منذ عام 1951 بينما كان يبني العراق المتعلم وليس العراق الرث المسكون بالخرافة التاريخية، لكن بصيغة جديدة: هل ساهم تطور التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في تهذيب الأخلاق؟ الإجابة ليست نعم أو لا. الإجابة أن الأخلاق أصبحت أكثر هشاشة، وأكثر حاجة إلى إعادة بناء. التكنولوجيا ليست عدواً، لكنها ليست حليفاً تلقائياً. إنها قوة تحتاج إلى توجيه، مثل العلوم في زمن روسو، لكنها اليوم أكثر سرعة، وأكثر نفوذاً، وأكثر قدرة على إعادة تشكيل الإنسان.

ولعل أهم ما يمكن أن نقوله في هذا العصر هو ما يشبه صدى روسو: إن التقدّم لا يصبح فضيلة إلا إذا حمل الإنسان معه، لا إذا تركه خلفه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.