بلاغات الصحراء.. من عبّر عن الوطن ومن صمت باسم الحسابات…. بقلم: عبد الجليل ابو الزهور
بقلم: عبد الجليل ابو الزهور
من تكلّم باسم الوطن ومن التزم الصمت حين كان الكلام واجبًا… بقلم: عبد الجليل ابو الزهور
أعاد قرار مجلس الأمن الدولي الأخير حول قضية الصحراء المغربية، الذي أكد أن مبادرة الحكم الذاتي هي الحل الواقعي والوحيد لإنهاء النزاع المفتعل الذي دام أكثر من خمسين سنة، ترتيب المشهد الحزبي المغربي من حيث التفاعل السياسي والوطني.
ففي حين سارعت أربعة أحزاب إلى إصدار بلاغات رسمية تعبّر عن مواقفها وتثمن القرار الأممي، وهي:
حزب التقدم والاشتراكية، حزب الاستقلال، حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وجبهة القوى الديمقراطية،
اختارت أحزاب أخرى الصمت، سواء من داخل الأغلبية أو المعارضة، مما يعكس تفاوتًا لافتًا في درجة الوعي والمسؤولية الوطنية.
′ أحزاب المعارضة الوطنية.. قراءة دقيقة للبلاغات
✓ حزب التقدم والاشتراكية: ركّز على ربط هذا الانتصار الدولي بالإصلاح الديمقراطي، معتبرًا أن “صفحة جديدة تُكتب في تاريخ المغرب” تتطلب البناء على الداخل قبل الخارج، أي تقوية المؤسسات، تعزيز المشاركة السياسية، وترسيخ حقوق المواطنين.
✓ حزب الاستقلال: قدّم البلاغ بلغة الوفاء للملك والوحدة الترابية، مستحضرًا رمزية الحزب التاريخية في معارك التحرير واستكمال الوحدة الوطنية، مبرزًا دوره في الدفاع عن السيادة المغربية عبر الزمن.
✓ حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية: اتخذ منحى تحليليًا وتاريخيًا، ربط القرار الأممي بذاكرة النضال الوطني، واعتبره “حلقة جديدة في مسار استكمال السيادة الوطنية”، مؤكداً أهمية الإصلاح السياسي والمجتمعي في الداخل كضمانة لاستمرارية الإنجاز الوطني.
✓ جبهة القوى الديمقراطية: أصدرت بيانًا متوازنًا يثمّن الجهود الملكية والدبلوماسية المغربية، ويؤكد على أهمية الإجماع الوطني في هذه المرحلة المفصلية.
• الأغلبية الحكومية.. صمت في لحظة رمزية
ظلّ التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة خارج دائرة التفاعل السياسي، إذ لم يصدر عنهما أي بلاغ رسمي، رغم رمزية الحدث وأهميته.
يمكن فهم هذا الصمت إما كـ حذر سياسي مبالغ فيه أو كـ غياب الحس الوطني ضمن الأغلبية، وهو ما يضع تساؤلات حول قدرة التحالف الحكومي على التعبير في القضايا السيادية الكبرى.
• المعارضة الأخرى.. غياب بلا مبرر
أما حزب العدالة والتنمية، ورغم وجوده في المعارضة، فلا يتوفر على فريق نيابي، فاختار الصمت وعدم إصدار أي موقف رسمي، في ما يبدو استمرارًا لارتباك موقعه بين المعارضة والمسؤولية الوطنية.
كما غاب اليسار الاشتراكي الموحد، فيما بقيت فدرالية اليسار الديمقراطي غير ممثلة في البرلمان ولم تُصدر أي بيان أو بلاغ، رغم المناسبة الوطنية المهمة.
• الدلالة الرمزية والسياسية
يتضح من المواقف أن الأحزاب الوطنية ذات الامتداد التاريخي والمعارضة الديمقراطية حافظت على حضورها الرمزي، بينما بدت الأحزاب الإدارية والبراغماتية عاجزة عن إنتاج خطاب وطني واضح.
لقد أظهر القرار الأممي أن القضية الوطنية ليست مجرد ملف دبلوماسي، بل مرآة لوعي الفاعلين السياسيين وقدرتهم على ترجمة الانتماء الوطني إلى موقف فعلي.
فمن عبّر عن الموقف الوطني أعاد الاعتبار لفكرة السياسة كمسؤولية وطنية، فيما كشف الصمت الآخر عن خلل في الحس الوطني والجرأة السياسية.
• آفاق ما بعد القرار الأممي
المرحلة المقبلة تفرض على الأحزاب المغربية، أغلبيةً ومعارضة، تجديد أدوات خطابها الوطني بما يواكب التحولات الإقليمية والدولية.
فالدبلوماسية الرسمية أدّت دورها بكفاءة، لكن النجاح الكامل يمر عبر تأطير المجتمع سياسياً وإعلامياً حتى يصبح الدفاع عن الصحراء جزءًا من الثقافة السياسية اليومية.
المطلوب اليوم ليس فقط بيانات التثمين، بل برامج فعلية للتوعية، والتواصل، والدفاع الميداني عن مقترح الحكم الذاتي، داخليًا وخارجيًا.
ذلك لأن قضية الصحراء ليست شعارًا ظرفيًا، بل مشروعًا وطنيًا متجددًا يُعيد تعريف علاقة المغاربة بوطنهم وتاريخهم ومستقبلهم.