نياشين بلا جيش .. رواية… قلم: عبد المجيد ابو الزهور
قلم: عبدالجليل ابو الزهور
هذه الرواية لا تدين أشخاصًا، بل تفكّك شروط السقوط. لا تبحث عن متهم، بل عن نظامٍ يُنتج العطب ثم يطالب ضحاياه بالاتزان.
كل تشابه مع الواقع ليس مصادفة، بل نتيجة حتمية لبنية اجتماعية تعيد إنتاج نفسها عبر البيوت، والعائلات، والدول، ثم تسمي ذلك قدرًا..
الجزء الأول: العودة
لم يكن عليّ شيخًا حين سقطت هيبته، ولا كان جسده قد خانه بعد. كان السقوط أبطأ من الشيخوخة، وأكثر خبثًا منها. فالسُّلطة الأبوية لا تنهار حين تضعف الذراع، بل حين ينضب المعنى. ومعاشه الهزيل، الخارج من دفاتر دولةٍ لا تتذكّر جنودها إلا في الأعياد، لم يكن يكفي بيتًا يتكاثر فيه الجوع أسرع من الأولاد.
كان يعود كل مساء محمّلًا بالصمت، يعلّق قبعته القديمة على المسمار ذاته، كما لو أنّ الزمن أخطأ العنوان وتوقّف هناك. يجلس، يحدّق في الفراغ، ثم ينهض بلا سبب. لم يعد الصمت خيارًا، بل بديلاً أخيرًا للكلام الذي لم يعد يُجدي.
مشهد الحرب (خاطف)
في الحرب، لم يكن عليّ بطلاً. كان رقمًا يتحرّك بين أرقام. ذات ليلة، اختبأ خلف جدار نصف مهدّم، سمع أنين رفيقٍ لم يجرؤ على سحبه. حين طلع الصباح، لم يبقَ من الرفيق سوى خوذة فارغة. منذ تلك اللحظة، فهم عليّ أن النجاة ليست فضيلة، بل عبء.
مأوى الجنود
يقضي عليّ نهاراته بين المنزل ومأوى الجنود المتقاعدين وضحايا الحروب. قاعة رمادية، رائحتها خليط من رطوبة وعرق قديم. هناك، يستعيدون أنفسهم بالحكايات: معارك لا تنتهي، مدن سقطت، طلقات أفلتت من الموت. كانوا يبالغون، لا ليكذبوا، بل ليقنعوا أنفسهم أنّهم لم يكونوا فائضين عن الحاجة، وأن آلة الحرب، ولو مرّة واحدة، سمعت أسماءهم.
أحيانًا، وفي مناسبات نادرة، يرتدي عليّ ما تبقّى من أزيائه العسكرية، ويعلّق نياشينه على صدره. لا يفعل ذلك فخرًا، بل ليستدعي رجلًا انقرض داخله، قبل أن يتحوّل البيت إلى جبهة بلا خرائط، وقبل أن يتعلّم الأبناء أن الطاعة لا تحمي أحدًا.
الجزء الثاني: البيت
البيت الذي لا يحمي
كان البيت أقدم من ساكنيه، وأكثرهم صبرًا. جدرانه سميكة لا لتمنع الأصوات، بل لتحتفظ بها. حين عاد عليّ من حربٍ لم يفهمها، وضع يده على الباب كما لو كان يضعها على كتف رفيقٍ سقط ولم يُسعف. اشترى البيت في حيٍّ عتيق لأن التعب كان أكبر من الحلم.
دخلت حادّة قبله. جسد ممتلئ، عينان مفتوحتان على الدوام، وشم قديم على الجبهة، وصوت إذا سُمع دون أن تُرى ظُنّ أنّ رجلًا يتكلّم. منذ اللحظة الأولى، أدرك البيت أنّ النوم سيكون مؤقتًا. تحت سقفه المنخفض تراكمت السنوات: غربة تمحو بسرعة، وبلدة تحصي الخيبات ببطء قاسٍ.
يوميات ما بعد العودة
في المطبخ الضيق، كان عليّ يقطع البصل بيد مرتجفة. تحرّك حادّة القدر دون أن تلتفت.
قال: «نفد الخبز.»
أجابت: «المعاش لا يكفي.»
في ألمانيا، كان يمسك يدها بعد العشاء، يتحدّث عن غدٍ متخيَّل. هنا، تتجنّب لمسته، كأن الغربة كانت خطأً لغويًا في حياتين لا تتشابهان. ينام على الأرض، وهي في السرير مع الصغار. تملأ كلماتها الصباح: الواقع يأكل الرجال.
صوت عليّ
قاتلتُ هناك دون أن أفهم لماذا. قالوا: جيش. قالوا: حرب. عدتُ أقصر قامة، أثقل روحًا. حين صمتت البنادق، أنجبتُ أسماءً كالتعاويذ، وعدتُ إلى البلدة هربًا من هزيمة الغربة، دون أن أعلم أن الهزيمة تعرف طريق البيوت جيدًا.
صوت حادّة
لم أعد تائبة، بل متعبة. عدتُ لأن أبي كان يموت. اقتربتُ منه لأن الموت يحب القرب. لم أُخفِ حياتي ولا جسدي ولا صوتي. عرفتُ اللذة، وعرفتُ الهروب. كنت أعيش، والآخرون كانوا يؤجّلون الحساب.
الجزء الثالث: الأبناء
أبناء الغربة: الدولة كأبٍ بديل
الحسين تعلّم الحزم مبكرًا. احتضنته الدولة قبل البيت. نظام، وظيفة، ملفات مرتّبة. كان يدير الحياة كما تُدار مؤسسة: بلا ذاكرة.
المصطفى تعلّم الصمت. أقل حضورًا، أكثر يقظة. في داخله سؤال لا يهدأ: هل الصمت قوّة أم شكل آخر من أشكال الخوف؟
فاطمة الزهراء قرأت الألم مبكرًا، حوّلته إلى مهنة، ثم ابتعدت. أدركت أن القرب أحيانًا أقسى من الغياب.
أبناء البلدة: التعويض المستحيل
سقف التعليم المنخفض كان حدّهم الأعلى. المقارنة مع الإخوة الكبار تحوّلت إلى حكمٍ مسبق.
سفيان
السجن امتداد للشارع. أخرج لأعود. القتل كان بداية، لا نهاية. السقوط أسهل من الوقوف لأن الأرض لا تسأل.
نسرين
جسدي سبق اسمي. تزوّجتُ لأهرب، ثم هربتُ من الزواج. جعلتُ الليل اقتصادًا، والاستقلال قناعًا هشًّا.
سلوى
لم أفعل شيئًا. الشيء فُعل بي. الفضيحة كانت أسرع من الحقيقة، والبيت تحوّل إلى محكمة بلا قاضٍ.
الجزء الرابع: المدينة
المدينة تتكلّم (الجوقة)
نحن المدينة. لا نعرف التفاصيل، لكننا نحكم. عادوا من الحرب متصدّعين. الأب يعلّق نياشينه كأنها تهمة. البنات انحرفن. الأبناء فشلوا. نحن لا نرى أنفسنا في المرآة، لأن الاعتراف مكلف
حوار لم يحدث
نسرين وسلوى، ليل متخيَّل.
نسرين: لو عاد الزمن، هل كنتِ ستفعلين الشيء نفسه؟
سلوى: لم أفعل شيئًا.
نسرين: وأنا فعلت كل شيء، ولم أنجُ.
لم تتعانقا. الاعتراف الناقص أكثر قسوة من الصمت.
الجزء الخامس: الانفجار
حين قال الحسين: «اخرجوا»، لم يكن يحمي الشرف، بل يحمي صورته عن نفسه.
في اعتراف سرّي، قال للمصطفى: «أنا سقطتُ قبلهم.»
فهم المصطفى متأخرًا أن النظام لا يمنع الانهيار، بل يؤجّله.
الخاتمة: ما بعد الطرد
تحوّلت الغرف إلى حدود، والممرات إلى خطوط تماس. كلٌّ يكتب ماضيه لينجو. ظلّ عليّ شاهدًا بلا صوت. علّق نياشينه، وجلس قرب حفيده الصغير، يراقب يده الصغيرة تعبث بالمعدن البارد. لم يقل شيئًا.
كان الجيش قد انتهى. وبقيت النياشين.
ملحق روائي: الطفل الذي سيأتي
لم يولد الطفل الجديد في لحظة أمل، بل في فراغ مكتمل الشروط. لم يكن أحد ينتظره، ولم يكن أحد يرفضه صراحة. جاء كما تأتي النتائج المتأخرة للحروب: بلا ضجيج، بلا أناشيد، وبلا أسماء جاهزة.
كان عليّ يجلس قرب النافذة، النياشين في الدرج، لا على الصدر. تعلّم متأخرًا أن المعدن لا يحمي الذاكرة، وأن الشهادة لا تعيد ترتيب الفوضى. نظر إلى الطفل، حفيده، كما لو كان يرى نفسه قبل الحرب، قبل البيت، قبل أن يتعلم أن النجاة ليست خلاصًا.
سأل نفسه، للمرة الأولى بصوت مسموع: ماذا سيرث هذا الطفل؟
ليس البيت، فقد صار خرائط ممزقة. ليس الاسم، فقد صار عبئًا. ليس الحكاية، لأن الحكايات تُثقل أكثر مما تُنقذ.
سيرث الصمت.
لكن الصمت، بخلاف ما ظنّ عليّ طويلًا، ليس فراغًا خالصًا. هو مادة خام. يمكن أن يصير قسوة، ويمكن – في حالات نادرة – أن يصير وعيًا.
في الغرفة المجاورة، كان الحسين يوقّع أوراقًا رسمية، والمصطفى يراقب من بعيد، وسفيان غائب كعادته، ونسرين وسلوى كلٌّ في منفاها الداخلي. الجميع حاضر، والجميع غائب.
المدينة في الخارج تواصل حياتها. تحكم، تنسى، وتعيد إنتاج نفسها.
أمّا الطفل، فكان يفتح عينيه ببطء، لا يعرف بعد أن العالم لا ينتظر أحدًا، وأن البيوت لا تحمي، وأن الآباء شهود أكثر منهم منقذين.
كان ذلك كافيًا.
ليس كأمل. بل كبداية محايدة.
—