حين تتحول الجهة إلى منصة استعراض… والرياضة إلى شعار بلا أثر
أزيلال 24 : عبد الجليل ابو الزهور
خلال الدورة الاستثنائية لمجلس الجهة، اختار ممثل دمنات أن يتحدث عن “الرياضة كقاطرة للتنمية”. غير أن هذا التدخل، في شكله ومضمونه، لم يرقَ إلى مستوى نقاش جهوي مسؤول، بقدر ما بدا مشهدًا استعراضيًا، طغت عليه النبرة المنتشية، والحركات المبالغ فيها، والاهتزاز فوق الكرسي، وكأن المتدخل مقتنع تمام الاقتناع أنه أصاب الهدف، في حين أن السهام لم تغادر فضاء الخطاب.
مجلس الجهة ليس مسرحًا للانفعال ولا منصة لتضخيم الذوات، بل مؤسسة دستورية يُفترض أن تُناقش داخلها الحصيلة، والبرامج، والأثر الترابي. لكن ما سُمع لم يكن تقييمًا ولا تشخيصًا، بل إعادة تدوير لشعار مستهلك، قُدِّم هذه المرة بثقة جسدية عالية، دون سند واقعي.
الأكثر دلالة، هو لجوء المتحدث إلى المزايدة بالزمن، عبر التذكير بتواجده داخل مجلس الجهة منذ سنة 2003. وهنا يتحول السؤال من الإعجاب إلى القلق:
ماذا قدّمت أكثر من عشرين سنة من التمثيلية الجهوية لمدينة دمنات؟
وأي أثر تنموي يمكن أن يُنسب لهذا الحضور الطويل؟
الجواب، كما يعرفه الجميع، هو أن دمنات ظلت خارج حسابات التنمية الجهوية الفعلية. فمنذ 2003، تعاقبت برامج جهوية كبرى: التأهيل الترابي، تقليص الفوارق المجالية، دعم الشباب والرياضة، التنمية الثقافية والاجتماعية… وكلها حملت ميزانيات مهمة وخطابات واعدة. غير أن المدينة، رغم هذا الزمن الطويل، بقيت حاضرة في الوثائق، غائبة في النتائج.
لا بنية رياضية جهوية أُنجزت.
لا مشروع مهيكل أعاد للمدينة موقعها.
ولا إدماج حقيقي في دينامية الجهة.
لذلك، فإن استدعاء سنة 2003 داخل هذا السياق لا يمكن قراءته إلا كـ محاولة لتعويض غياب الحصيلة بالزمن، وهي مزايدة سرعان ما تسقط أمام الواقع.
وحين انتقل الخطاب إلى الرياضة، بدا التناقض أكثر فجاجة. فالرياضة في دمنات ليست فكرة طارئة، بل تاريخ وتجربة ومسارات أُجهضت. فقد اختفت جمعية دمنات، أحد الرموز الرياضية بالمدينة، في ظروف تطرح أسئلة مشروعة حول الحكامة والشفافية، دون نقاش عمومي حقيقي، ودون تقارير تُقنع الرأي العام.
أما رجاء دمنات، التي يحاول الخطاب الرسمي اليوم إدخالها ضمن سجل الإنجاز، فهي في الحقيقة نتيجة رد فعل جمعوي على مرحلة انسداد، لا ثمرة سياسة رياضية مؤسساتية. ما تحقق داخل هذا الفريق هو نتاج عمل المكاتب المتعاقبة، واللاعبين، والأطر التقنية، في ظروف صعبة، وليس نتيجة دعم منتظم أو رؤية واضحة. وأي محاولة للسطو الرمزي على هذه النجاحات تبقى، في نظر المتتبعين، ركوبًا مكشوفًا على مجهود الغير.
ويتعمق التناقض أكثر عند استحضار ملف كرة القدم النسوية. فرق صنعت الإشعاع، وقدمت لاعبات إلى الاحتراف الخارجي، وإلى مؤسسات وطنية مرموقة، ورفعت اسم المدينة عاليًا، قبل أن تجد نفسها في مواجهة تضييق غير مفهوم، وتقليص في فرص الاستفادة من الفضاءات، وإغلاق لملاعب القرب في وجه فتيات لم يكن لهن سوى الشغف.
70 مليون سنتيم: حين يتبخر الدعم وتغيب التنمية
لكن قلب الإشكال، وأكثره إحراجًا، يظل ماليًا.
70 مليون سنتيم خُصصت لدعم الرياضة. رقم كبير بمعايير مدينة تعاني خصاصًا في البنيات والتجهيزات. ومع ذلك، لا أثر ملموس لهذا المبلغ على واقع الرياضة المحلية.
لا تأهيل حقيقي .
لا تحسين ملموس لظروف الاشتغال.
لا قفزة نوعية في النتائج.
ولا رؤية واضحة لكيفية صرف هذا الدعم.
وحين يُصرف المال العمومي دون أن يترك أثرًا تنمويًا، يتحول من أداة دعم إلى عنوان للعبث التدبيري. فالدعم الذي لا يُترجم إلى نتائج، ولا يخضع لتقييم علني، ولا ينعكس على الأرض، هو دعم يتبخر، مهما جرى تلميعه في الخطب.
خاتمة:
إن أخطر ما في هذا المشهد ليس فقط ضعف الحصيلة، بل محاولة تغطيتها بخطاب منتشٍ وحركات جسدية توحي بالثقة الزائفة. فالسياسة ليست مسألة اهتزاز فوق الكراسي، ولا رفع نبرة الصوت، ولا استعراض سنوات الجلوس داخل المؤسسات، بل مسألة أثر ونتائج.
الرأي العام بدمنات، وداخل الجهة عمومًا، مدعو اليوم إلى ربط الخطاب بالحصيلة، والحصيلة بالبرامج، والبرامج بالأثر.
فمن لم يُنجز حين كانت البرامج مفتوحة، والميزانيات متوفرة، والفرص قائمة، لن يُنجز وهو يكتفي بالشعارات.
أما الرياضة،
فلا تحتاج نشوة خطابية،
ولا قاطرات وهمية،
بل تحتاج إرادة صادقة، وحكامة، ومالًا يُصرف حيث يجب.
وما دون ذلك…
يبقى مجرد كلام يتبخر،
كما تبخر الدعم،
وكما تبخرت التنمية.