دمنات : الديمقراطية على المقاس: حين تتحول “اللقاءات التحسيسية” إلى منصات إقصاء سياسي مقنّع

5٬034

ازيلال 24 : عبد الجليل ابو الزهور 

 

 

في الوقت الذي يُفترض فيه أن تشكل اللقاءات التحسيسية حول مشاركة النساء في الاستحقاقات الانتخابية لحظة ديمقراطية جامعة، ومنصة مفتوحة لكل الحساسيات السياسية والمدنية، جاء اللقاء المنظم بجماعة إمليل بإقليم أزيلال من طرف جمعية ،  ليقدم نموذجاً مقلقاً لانحراف خطير في فهم الفعل الديمقراطي، وتحويله إلى أداة انتقائية تخدم أجندات ضيقة بدل المصلحة العامة.
فالحدث الذي رُوّج له تحت شعار “أهمية مشاركة المرأة في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة”، وبدعم من صندوق عمومي لتشجيع تمثيلية النساء، لم يكن في حقيقته سوى تمرين إقصائي فج، تم فيه استدعاء أطراف بعينها، بعناية محسوبة، مقابل استبعاد متعمد لأحزاب سياسية وازنة، من قبيل حزب التقدم والاشتراكية، وحزب اليسار الاشتراكي الموحد، وفيدرالية اليسار الديمقراطي. وهو سلوك لا يمكن تفسيره إلا بكونه محاولة لتطويع الفضاء العمومي وتوجيهه وفق منطق الولاء السياسي لا منطق التعددية.
الأخطر من ذلك، أن هذا الإقصاء لم يقتصر على الفاعلين السياسيين، بل طال أيضاً منابر إعلامية لا تنخرط في جوقة التلميع والدعاية، في انتهاك صريح لمبدأ تكافؤ الفرص في الوصول إلى المعلومة، وحرية الصحافة، وتكريس لواقع إعلامي موجه، يُراد له أن يصفق لا أن يسائل، وأن يبارك لا أن ينتقد.
إن الحديث عن “تمكين النساء” و”تعزيز المشاركة السياسية” في ظل هذا المناخ الانتقائي، يفقد معناه الحقيقي ـ له هدف آخر ـــ ويُفرغ من مضمونه النضالي والتقدمي. فكيف يمكن الحديث عن مناصفة وعدالة تمثيلية، في لقاء يُقصي قوى سياسية ساهمت تاريخياً في الترافع من أجل حقوق النساء، وقدّمت تضحيات جسام في سبيل ترسيخ الديمقراطية وقيم المساواة؟
بمعنى ؟ ان هذا اللقاء له أبغاد ..
إن الديمقراطية ليست حفلاً مغلقاً يُدعى إليه من يشاء المنظمون، وليست امتيازاً تمنحه السلطة لمن يدور في فلكها، بل هي ممارسة يومية تقوم على التعدد، والاختلاف، وحق الجميع في التعبير والمشاركة. وأي محاولة لبنائها على أساس الانتقاء والإقصاء، إنما هي تقويض لها من الداخل، وتكريس لواجهة شكلية تخفي وراءها فراغاً سياسياً مقلقاً…
ما حدث في إمليل ليس مجرد “سوء تنظيم” أو “خطأ بروتوكولي”، بل هو مؤشر على نزعة خطيرة نحو احتكار الفضاء العمومي، وتوجيهه لخدمة تحالفات ظرفية، على حساب التعددية السياسية والفكرية. وهو ما يستدعي وقفة نقدية جادة من كل الغيورين على المسار الديمقراطي، نساءً ورجالاً، من داخل المؤسسات وخارجها.
ختاماً، إذا كان الهدف فعلاً هو تمكين النساء من ولوج مراكز القرار، فإن أول خطوة في هذا الاتجاه، هي احترام ذكاء النساء؟ وعدم الزج بهن في لقاءات مفصلة على مقاس الإقصاء، وتحت عناوين براقة تخفي أكثر مما تُظهر. فالديمقراطية لا تُبنى بالشعارات، بل بالممارسة الفعلية، وأول شروطها: الانفتاح، لا الإقصاء.