لقجع و«الجرار»… الأسئلة أكبر من الخبر…. الأبعاد السياسية والدلالات الكبرى للحدث

57

ازيلال 24 : عبد الجليل ابو الزهور 

 

 

في العمل السياسي، ليست كل الأخبار متشابهة. فهناك أخبار تمر مرور الكرام، وأخرى تتحول إلى قضية رأي عام لأنها تثير من الأسئلة أكثر مما تقدم من الأجوبة. ومن هذا النوع جاء إعلان التحاق فوزي لقجع بحزب الأصالة والمعاصرة، في خطوة مفاجئة لم تسبقها إشارات سياسية أو فكرية، ولم ترافقها أي توضيحات تفسر للرأي العام دوافع هذا الاختيار.
فوزي لقجع ليس اسما ارتبط، على امتداد مساره، بالعمل الحزبي. لم يُعرف عنه أنه كان مناضلا داخل حزب الأصالة والمعاصرة، أو مدافعا عن أطروحاته، أو متدرجا في هياكله التنظيمية. بل ظل يقدم باعتباره واحدا من أبرز التكنوقراط الذين تقلدوا مسؤوليات حكومية وإدارية، بعيدا عن الاصطفافات الحزبية المباشرة.
واللافت أن الرجل شغل منصب وزير في حكومة كان حزب الأصالة والمعاصرة أحد مكوناتها الأساسية، ومع ذلك لم يختر آنذاك الانضمام إليه، ولم يعلن للرأي العام أن مشروع هذا الحزب يعبر عن قناعاته السياسية أو الفكرية.
اليوم تغير المشهد، لكن من دون أن يعرف المغاربة ما الذي تغير بالضبط.
هل تغير الحزب حتى أصبح أقرب إلى رؤية فوزي لقجع؟ أم أن الرجل راجع قناعاته السياسية؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما الذي يمنع من مصارحة الرأي العام بهذا التحول؟ فالانتقال من موقع التكنوقراطي إلى العمل الحزبي ليس تفصيلا عابرا، بل هو اختيار سياسي يفترض أن تكون له خلفيات فكرية وبرنامجية واضحة.
وتزداد هذه الأسئلة مشروعية إذا استحضرنا أن فوزي لقجع، من موقعه الحكومي، قدم للرأي العام معطيات وأرقاما بشأن المستفيدين من الدعم العمومي المخصص لاستيراد الأغنام، وأوضح أن من بين المستفيدين منتمين أو مقربين من الأحزاب الثلاثة المشكلة للأغلبية الحكومية، ومنها حزب الأصالة والمعاصرة.
ومن الطبيعي أن يطرح المواطن سؤالا بسيطا: كيف لمسؤول كشف تلك المعطيات أن يختار بعد ذلك الانضمام إلى حزب ورد اسمه ضمن الأحزاب التي تضم بين منخرطيها أو المقربين منها مستفيدين من ذلك الدعم؟ هل يعتبر أن تلك الوقائع لا تمس صورة الحزب؟ أم أن المسؤولية، إن وجدت، تبقى مسؤولية أفراد ولا تمتد إلى التنظيم السياسي؟ أم أن لهذا القرار اعتبارات أخرى لم تُعلن للرأي العام؟
ويبقى سؤال آخر أكثر حساسية، لأنه يرتبط بطبيعة الحياة السياسية في المغرب.
هل كان فوزي لقجع حرا بالكامل في اختيار الحزب الذي التحق به، أم أن طبيعة التوازنات السياسية القائمة لعبت دورا في توجيه هذا الاختيار؟ وهل ناقشت مؤسسات الحزب هذا الالتحاق وفق المساطر التنظيمية المعمول بها، كما يحدث مع باقي المنخرطين، أم أن مكانة الرجل داخل الدولة جعلت الأمر يتم بصورة استثنائية؟
لا أحد يستطيع الجزم بالإجابة عن هذه الأسئلة دون معطيات موثقة، لكن مجرد طرحها يظل أمرا مشروعا، لأن الأمر يتعلق بمسؤول عمومي من الصف الأول وبحزب يقدم نفسه باعتباره حزبا للمؤسسات.
كما أن هذه الأسئلة لا تعني التشكيك في أحد، وإنما تعكس حاجة الرأي العام إلى فهم الكيفية التي تُتخذ بها القرارات السياسية الكبرى، خاصة عندما يتعلق الأمر بشخصيات ذات تأثير واسع في تدبير الشأن العام.
إن آلاف المناضلين داخل الأحزاب المغربية قضوا سنوات في العمل الميداني، وفي الاجتماعات، والمؤتمرات، والحملات الانتخابية، أملا في التدرج داخل تنظيماتهم. ومن حق هؤلاء أن يتساءلوا: هل ما زال الانتماء الحزبي يقوم على الاقتناع والنضال والتدرج، أم أصبح النفوذ والموقع الإداري يختصران الطريق إلى الصفوف الأولى؟
القضية، في جوهرها، لا تتعلق بفوزي لقجع كشخص، ولا بحزب الأصالة والمعاصرة وحده، وإنما تتعلق بصورة الحياة الحزبية في المغرب. فالأحزاب ليست مجرد آليات انتخابية، بل يفترض أن تكون مؤسسات تؤطر المواطنين على أساس الأفكار والبرامج، وأن تخضع قراراتها لمعايير واضحة وشفافة.
إن المغاربة لا ينتظرون فقط معرفة الحزب الذي اختاره فوزي لقجع، بل ينتظرون أن يفهموا لماذا اختاره، ولماذا في هذا التوقيت، وكيف تم هذا الالتحاق. فالتفسير ليس ترفا سياسيا، بل هو جزء من احترام حق المواطنين في المعرفة.
وعندما يغيب التفسير، يصبح السؤال هو اللغة الوحيدة المتاحة للرأي العام. والسياسة التي تترك أسئلتها معلقة، تفتح الباب واسعا أمام التأويل، بينما الوضوح وحده هو الكفيل ببناء الثقة بين الفاعل السياسي والمواطن.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.