خذلان الرفاق وتعب القلم .. ما جدوى الكتابة في زمن اللامبالاة ؟…قلم : عبد الجليل ابو الزهور
قلم : عبد الجليل ابو الزهور
من حين إلى آخر، تراودني فكرة التوقف عن الكتابة، خصوصاً تلك التي تنشغل بالشأن العام والمحلي. ليست الفكرة وليدة لحظة غضب عابرة، ولا هي إعلان عن هزيمة أمام واقع لا يعجبني، وإنما هي لحظة مراجعة أسأل فيها نفسي: إلى متى يمكن للإنسان أن يظل يكتب، وينتقد، ويفضح الاختلالات، ويجادل، ويغضب، ثم يعود في اليوم التالي إلى النقطة نفسها وكأن شيئاً لم يتغير؟
أحياناً أفكر أن الابتعاد عن الكتابة قد يكون أكثر راحة. أن أغلق هذا الباب، وأترك للآخرين مهمة الحديث، وأن أحتفظ بآرائي لنفسي، وأن أعيش ما تبقى من الوقت بعيداً عن صخب النقاشات والخصومات وسوء الفهم. فالكتابة في الشأن العام ليست مجرد ترتيب للكلمات. إنها استنزاف نفسي وعقلي، خصوصاً عندما يكتب الإنسان لأنه يؤمن بأن ما يراه من عبث أو فساد أو اختلال يستحق أن يُقال.
لكن المشكلة تبدأ عندما تكتشف أن ما تعتبره أنت اختلالاً قد لا يراه الآخرون كذلك.
فما أراه فساداً قد يعتبره غيري “تدبيراً”، وما أراه عبثاً قد يراه آخرون أمراً عادياً، وما أعتبره تراجعاً في العمل العمومي قد يراه البعض مجرد اختلاف في وجهات النظر. والأسوأ من ذلك أن البعض قد يعرف الحقيقة جيداً، لكنه يفضل الصمت لأنها أكثر راحة وأقل كلفة.
وهنا يجد الكاتب نفسه أمام سؤال صعب: هل يواصل الكتابة لأنه مقتنع بما يقول، أم يتوقف لأن صوته لم يعد يجد الصدى الذي كان يتوقعه؟
لقد تعلمت أن الكتابة لا تغيّر الواقع بالضرورة، لكنها تمنع الواقع من أن يمر دائماً دون شاهد.
فالكاتب ليس شرطياً، وليس قاضياً، وليس صاحب سلطة تنفيذية. لا يملك عصا سحرية لإصلاح جماعة ترابية، ولا يستطيع وحده إيقاف فساد، أو خلق فرص شغل، أو بناء طريق، أو توفير الماء، أو محاسبة مسؤول. أقصى ما يستطيع فعله هو أن يضع الأسئلة أمام الناس، وأن يحاول تسمية الأشياء بأسمائها، وأن يترك أثراً مكتوباً يقول: كان هناك من رأى، ومن سأل، ومن اعترض.
غير أن الكتابة تصبح أكثر إيلاماً عندما تأتي الخيبة من الذين ظننت أنهم يشاطرونك الهم نفسه.
فالخصم الواضح أهون أحياناً من الصديق المتردد، والمختلف معك أهون من شخص يشاركك الخطاب نفسه لكنه يتخلى عنك عند أول اختبار. هناك أشخاص يقتربون منك ما دامت مواقفك لا تكلفهم شيئاً، فإذا أصبحت الكلفة مرتفعة، أو اقتربت النار من مصالحهم، وجدوا في أول منعرج مخرجاً مناسباً، وتركوك وحدك في الطريق.
وهذا ربما هو أحد أكثر الأمور إيلاماً في العمل العام: أن تكتشف أن الذين كنت تظن أنك تتقاسم معهم الهم نفسه، لا تتقاسم معهم بالضرورة الموقف نفسه عندما تصبح المواقف مكلفة.
ومع ذلك، لا ينبغي أن يتحول هذا الشعور إلى مرارة تجاه الجميع.
فالناس ليسوا سواء. هناك من يصمت خوفاً، وهناك من يصمت مصلحةً، وهناك من يصمت لأنه لا يرى المشكلة أصلاً، وهناك من يختلف معك بصدق واحترام. وهناك أيضاً من يعمل في صمت، بعيداً عن الأضواء، وربما يكون أثره أكبر من أثر كثير من الذين يملأون المنابر بالكلام.
لذلك، ربما لا تكون المشكلة في الكتابة نفسها، وإنما في انتظار نتائج فورية منها.
نحن نريد أحياناً أن نكتب اليوم فنرى التغيير غداً. نريد أن نكشف الخلل فيتوقف فوراً، وأن نطرح السؤال فنجد الجواب، وأن ننتقد المسؤول فنراه يصحح الخطأ. لكن الحياة العامة لا تعمل بهذه السرعة.
قد تكون الكتابة اليوم بلا أثر ظاهر، ثم تعود كلماتها بعد سنوات لتصبح وثيقة على مرحلة كاملة.
وقد ينسى الناس صاحب المقال، لكنهم يتذكرون الفكرة.
وقد لا تستطيع الكتابة تغيير المسؤول، لكنها تستطيع تغيير قارئ واحد. وهذا القارئ قد يصبح غداً عضواً في مجلس، أو مسؤولاً، أو فاعلاً جمعوياً، أو مواطناً أكثر وعياً بحقوقه وواجباته.
ثم هناك جانب آخر لا ينبغي تجاهله: الكاتب نفسه يحتاج أحياناً إلى أن يحمي نفسه من الكتابة.
ليس كل معركة تستحق الدخول إليها، وليس كل استفزاز يستحق الرد، وليس كل شخص يستحق أن تمنحه من وقتك وأعصابك ما يكفي لصياغة مقال كامل.
فالانسحاب المؤقت ليس دائماً هزيمة. أحياناً يكون استراحة ضرورية حتى لا يتحول الدفاع عن قضايا الشأن العام إلى استنزاف دائم للروح.
يمكن للإنسان أن يبتعد قليلاً دون أن يتخلى عن مبادئه، وأن يصمت يوماً دون أن يصبح شريكاً في الصمت، وأن يترك بعض المعارك لأصحابها دون أن يتنازل عن قناعاته.
المهم ألا يتحول التعب إلى قطيعة نهائية مع الذات.
لأن أخطر ما يمكن أن يحدث للكاتب ليس أن يتوقف عن الكتابة، وإنما أن يتوقف عن الإحساس.
أن يرى الاختلال ولا يعود يعنيه.
أن يسمع الشكوى ولا تثير فيه شيئاً.
أن يمر أمام مشهد كان يستفزه بالأمس، فيقول لنفسه: “وما شأني؟”
هناك، فقط، يكون الانسحاب قد انتصر.
أما أن تتوقف لبعض الوقت كي تستعيد هدوءك، وتراجع أولوياتك، وتعيد ترتيب علاقتك بالكتابة وبالناس وبالشأن العام، فهذا ليس استسلاماً. إنه نوع من حماية النفس حتى تستطيع الاستمرار دون أن تتحول إلى شخص غاضب من الجميع.
وربما آن الأوان لأن أعيد تعريف علاقتي بالكتابة.
لا أكتب لكي يحبني الناس.
ولا لكي يصفق لي أحد.
ولا لكي أجمع حولي أنصاراً.
ولا لكي أنتقم من خصوم.
أكتب لأن هناك أشياء أعتقد أنه يجب أن تقال.
لكنني في الوقت نفسه لست مطالباً بأن أحمل وحدي كل اختلالات هذا العالم، ولا أن أدخل كل معركة، ولا أن أشرح نفسي لكل من أساء فهمي، ولا أن أقنع من اختار ألا يقتنع.
فالكتابة مسؤولية، نعم، لكنها ليست انتحاراً يومياً.
ومن حق الكاتب أن يتعب.
ومن حقه أن يتراجع خطوة.
ومن حقه أن يصمت قليلاً.
ومن حقه، أيضاً، أن يسأل نفسه بين الحين والآخر: هل ما أفعله ما زال نابعاً من قناعة، أم أصبح مجرد عادة في مواجهة واقع لا يتغير؟
وربما يكون الجواب في النهاية بسيطاً:
لن أتوقف لأن الآخرين خذلوني، ولن أستمر لأن الآخرين ينتظرون مني ذلك.
سأكتب عندما يكون لدي ما يستحق أن يقال، وسأصمت عندما يصبح الصمت أكثر حكمة من الكلام.
فالكتابة ليست واجباً يومياً، والانسحاب ليس دائماً جبناً، والصمت ليس دائماً استسلاماً.
لكن هناك فرقاً كبيراً بين أن تختار الصمت لتحمي نفسك، وأن تُجبر على الصمت لأنك فقدت الأمل.
وبين الاثنين… مسافة تختصرها كلمة واحدة:
الكرامة.