دمنات :نوستالجيا مسرحية. …قلم : عصام صولجاني 

109

قلم : عصام صولجاني 

 

«نحن الموتى جئناكم لنبعث الحقيقة»؛ صرخةٌ مدويةٌ ما زال صداها يتردد في ذاكرتي كلما فكرت في شؤون الثقافة أو استحضرت شجون المسرح بمدينة دمنات، رغم مرور أكثر من أربعة عقود على سماعها. كان ذلك عصر يوم مشمس من شهر يونيو  ، حين اندفعتُ مدفوعاً بفضولي وسط جموعٍ من التلاميذ والطلبة وأفراد الطاقم الإداري لثانوية «حمان الفطواكي» المختلطة، لأجلس أمام خشبة نُصبت في ساحة الثانوية، في انتظار مفاجأة لم أكن أعرف فحواها.

في تلك اللحظة، تملكني الرعب حين اندفع مجموعة من الشباب كالموجة الأفعوانية من تحت الخشبة، واحداً تلو الآخر، بوجوه شاحبة حوّلها الماكياج إلى ملامح أشباحٍ بشعة، مرتدين وزرات زرقاء وكأنهم خرجوا للتو من قبورهم، وهم يصرخون بصوتٍ جماعي: «نحن الموتى جئناكم لنبعث الحقيقة». لقد شدّوا الانتباه بحركاتهم ونظراتهم وحواراتهم الشعرية الشيقة التي اعتمدت على المجاز والإلغاز، وطرح أسئلة جريئة للبوح بمشاكل تلك المرحلة من تاريخ المغرب. كان العرض قوياً، وتشخيص الممثلين احترافياً، وأتذكر منهم السادة: الحرايري، وأحرباش، وأيت ألعيد، ومولاي نصر الله الدين؛ هذا الأخير الذي ظهر وحيداً على الخشبة تحت إنارة خريفية، متقمصاً دور شيخ طاعن في السن في مشهد سريالي وهو يردد: «مانا مجذوب مانا بوهالي».

كان ذلك أول عرض مسرحي حي أحضره في مدينة دمنات، وقد ترك في مخيلتي الكثير من الأسئلة التي ظلت بلا أجوبة شافية، والصور الغامضة التي حاولت فك طلاسمها في السنوات التالية. وبعد أن فتحت دار الشباب «محمد الزرقطوني» أبوابها لأول مرة بدمنات، بقيت أتردد عليها بحثاً عن عرض مسرحي يشفي فضولي مثل ذاك العرض، إلى أن ظفرت ذات أمسية بمشاهدة مسرحية بعنوان «الموسيقي المجنون» من تأليف الكاتب العراقي محيي الدين زنكنة، ومن تمثيل وإخراج الأستاذ محمد العرباوي؛ وهي مسرحية الممثل الواحد التي تميزت بمونولوجات شعرية مبهرة تخللتها مقاطع من سمفونيات عالمية.

وبعدها بسنوات، تأسست أندية وجمعيات مسرحية كانت امتداداً لتجارب فنية توهجت ، قبل أن تتوقف بسبب ضغوط «سنوات الجمر والرصاص». منها ما توفق في تقديم عرضه الأول، ومنها ما لم يتوفق، ومنها ما تعرض نشاطه للمنع بقرار إداري مجحف شهر ماي 1996 كان بطله أحد مديري دار الشباب، الذي تقدم بوشاية كاذبة ضد مسرحية «الحال والبدل» من تأليف وإخراج الأستاذ محمد العرباوي. هذه المسرحية التي اشتغل عليها المخرج والممثلون لمدة سنة كاملة، وفي يوم العرض، وبعد تجهيز الديكور ووقوف الممثلين في الكواليس وحضور مئات المتفرجين، أقدم مدير دار الشباب على إقفال باب قاعة العرض، ليطلق بذلك رصاصةً قتلت الطموح المسرحي لدى فئة من الفنانين الشباب بمدينة دمنات.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.