كنت أظنني لا أتغير، أنا الذي أقسمتُ أن أبقى كما أنا.. قلم: عبدالقادر كلول

131

قلم: عبدالقادر كلول

 

 

قلتُ يومًا في نفسي: سأبقى وفيًّا لطبعي مهما تبدّل الزمان وتغيّر المكان، وصارت الفصول مسرحًا لكل متغيّر… قلتُ هذا واطمأنّت نفسي أنّني قويّ بما فيه الكفاية للوفاء بهذا الوعد. لم أرغب يومًا أن أحيد عن مبادئي، ولا أن أبدو أمام نفسي ضعيفًا غير متماسك أمام إغراءات التغيير، لم أشأ أن أصبح مثالًا لخائن نفسه قبل خيانة الآخرين، لأن خيانة النفس هي أسوأ الخيانات على الإطلاق، ذلك أنّها تبقى ملتصقة بذات صاحبها، تمثل أمامه على الدوام، ولا يستطيع غفرانها ولو تنصّل من كل ذنوبه. إنها تشبه البقعة السوداء التي لا تزيلها مساحيق التصبين، لتظل شاهدة أبدًا على لحظة سقوط وانحدار، ذلك الانحدار الذي لا يُقارن إلا بالموت…
لا أريد أن أراني كذلك الرجل الثمل الذي استفاق على حال غير الحال الذي كان عليه بالأمس، فأصابته صدمة الوعي… لا أريد أن أفيق يومًا على ذاتٍ لا أعرفها، أو أجدني وقد انزلقتُ بعيدًا عمّا كنت أؤمن به، دون أن أشعر بلحظة السقوط.
لكن الحياة، في مكرها الخفي، لا تعترف كثيرًا بما نقطعه على أنفسنا من عهود في لحظات الصفاء، فهي تمضي بنا إلى حيث لم نخطط، وتضعنا أمام اختبارات لم نحسب لها حسابًا، وتفتح في طريقنا دروبًا ضيقة لا يُمكن عبورها إلا بالتخلّي عن شيءٍ كنّا نظنه غير قابل للمساومة.
هناك، حيث تضيق الخيارات، وتثقل الضرورات، يبدأ ذلك الصراع الصامت بين ما وعدنا به أنفسنا، وما تفرضه علينا اللحظة… فنكتشف، على مضض، أنّ الثبات الذي تخيّلناه صخرةً لا تتزحزح، لم يكن سوى صورة مثالية لأنفسنا في زمنٍ لم يُختبر بعد.
ليس لأننا خُنّا أنفسنا كما كنا نخشى، بل لأننا أُجبرنا على أن نعيد ترتيبها كي لا تنهار؛ لأن بعض الانحناءات، مهما بدت موجعة، ليست إلا محاولة لتفادي انكسارٍ كامل.
وحين نعود إلى ذواتنا بعد تلك اللحظات، لا نجد دائمًا ذلك الإنسان الذي أقسم ألا يتغير، بل نجد نسخةً أخرى منه… أقل يقينًا، نعم، لكنها أكثر فهمًا، وأكثر قدرة على التمييز بين ما يجب أن يبقى، وما لا مفرّ من تغييره.
وهنا فقط، يتبدل المعنى في داخلنا، فلا يعود التغيير خيانةً مطلقة، ولا الثبات فضيلةً مطلقة. ندرك أن خيانة النفس ليست في أن تتغير لتنجو، بل في أن تُصرّ على الثبات حتى الهلاك.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.