أصدقاء الغدير قلم : أحمد لعيوني
قلم : أحمد لعيوني
كان صباح يوم ربيعي دافئ، والشمس تلمع فوق أسطح القرية كما لو أنها تدعو الأطفال للخروج والمرح. منذ بداية الأسبوع، لم يفارق خيال عمر وأصدقاءه : حميد وعبد السلام والصغير “الصديق” حلمُ قضاء يوم كامل عند بركة الغدير. كانوا يسمعون الكبار يحذرون من الذهاب إليها دون إذن، لكن شغف الماء في يوم ربيعي دافيء كان أقوى من كل التحذيرات.
كانوا منذ أيام ينتظرون عطلة نهاية الأسبوع، فقد اتفقوا على قضاء اليوم عند البركة المائية في مجرى الغدير المحاذي للقرية، تلك البركة التي تحولت مع الزمن إلى مكان سري يجتمعون فيه هربا من صخب البيوت وعيون الكبار.
في الساحة الصغيرة قرب المدرسة، اجتمع الأربعة بعد انتهاء الدروس، وتحلقوا حول عمر الذي تولى قيادة “الخطة”. قال هامسا :
- غدا السبت… كل واحد يقول لدارهم أنه غادي يلعب غير حدا الدوار، عند الشجرة الكبيرة، ومن تما نمشيو للغدير بلا ما يخس بينا حتى واحد.
هز حميد رأسه بحماسة، وأضاف عبد السلام مبتسما :
- المهم ما نبقاوش بزاف، نرجعو قبل العصر باش ما يفطن بنا حتى شي واحد.
وقال أصعرهم، رشيد بجدية مضحكة :
- وأنا غادي نجيب خبز وقليل من الزبدة… ما نعرفو شنو يوقع !
جاء الصباح الموعود، وخرج كل طفل من بيته بخفة قط صغير، التقوا عند شجرة الكبيرة كما خططوا، وتسللوا بين الحقول. انطلقوا وأقدامهم تضرب التراب بخفة، والضحكات تتصاعد كزقزقة عصافير. يجرون كأن الدنيا ملك لهم. لكن الحماس جعله يبدو كرحلة إلى عالم آخر. وما إن وصلوا البركة، وبصرت أعينهم لمعان الماء، حتى تعالت صيحات الفرح. نزعوا ملابسهم بسرعة، وألقوها في ظل شجرة توت كبيرة، ثم قفزوا في الماء البارد الذي كان يعكس زرقة السماء. راحوا يسبحون، ويرشون الماء بعضهم على بعض، ويحدثون ضجيجا يسمع من أقصى طرف القرية.
مرت دقائق طويلة من اللعب، حتى كادوا ينسون العالم، لولا تلك الظلال الثقيلة التي تقدمت نحو الملابس الموضوعة تحت الشجرة…
إنه العم عبد القادر، المعروف في القرية بلقب “حمّيمصة”، لقب التصق به لقسوته وصرامته. كان يملك الحقل الذي يمر منه الغدير، وتتجمع به مياه البركة. فهو يشتهر بكونه لا يطيق الفوضى ولا “قشافات الدراري”. وقف متهجما، وعيناه تلمعان بغضب، ثم بدأ يجمع ملابس الأطفال قطعة قطعة كما لو كان يجمع حججا لإدانتهم.
صرخ بصوت أجش :
ها العار عليكم ! كتخربو ليا الزرع، وكتجيّو تعومو فْ أرضي بلا إذن؟ ما تخرجوش من هنا حتى نوريكم ! غادي نمشي للدرك، ويحاسبو والديكم واحد واحد !
تجمد الأطفال في الماء، وارتجفت قلوبهم أكثر مما ارتجفت أجسادهم الباردة. لم يكن أحد منهم يتوقع هذا الموقف المرعب.
تبادلوا النظرات، ثم بدأوا يتوسلون :
- عمي عبد القادر…ما قصدناش نضروك…
- الله يخليك، غير رجع لينا حوايجنا…
- ما يعلموش والِدينا، راه غادي نتعاقبو بزاف…
لكن “حميمصة” الصلب لم يكن من النوع الذي يلين بسهولة. جلس قرب أشجار الزيتون، واضعا الملابس في حجره، وأدار وجهه عنهم قائلا :
- سولوني فاش تغيب الشمس !
بقي الأطفال في الماء ساعات طويلة. كان البرد يشتد كلما تقدمت الشمس نحو المغيب، وصوت العصافير بدأت تحل مكانه أصوات الضفادع. اتسخت أقدامهم بالطين، وارتعشت شفاههم، وتحولت ضحكات الصباح إلى خوف صامت.
ظل عمر يحاول تشجيع رفاقه :
- ما تخافوش…غير نصبرو…غادي يحن إن شاء الله.
وعندما بدأت الشمس تذوب خلف غروب برتقالي، نهض العم عبد القادر. تقدم بخطوات بطيئة، ورمى الملابس التي تبلل بعضها أمامهم قائلا :
- هاهي… ولكن إلى رْجعتو للبركة حياتكم ماغادي تكون هانية ! هاد المرة نسامح، المرة الجاية غادي نكون قاسح معاكم بزاف.
ركض الأطفال نحو ملابسهم، يرتدونها بسرعة دون أن يرفعوا رؤوسهم. لم يتجرأ أحد منهم على قول كلمة. انطلقوا نحو القرية وهم يجرّون أقدامهم في التراب، وقد اختلط في قلوبهم الخوف والراحة، والعبرة التي ستبقى محفورة في ذاكرتهم لسنوات.
وفي تلك الليلة، جلس عمر على فراشه، يتأمل سقف الغرفة ويفكر :
“ربما كان “حْميمصة” قاسيا…لكن للناس حقوقاُ… وللأرض حرمة… ولن ندخل أرض أحد دون إذن بعد اليوم.”
وهكذا تحولت مغامرة يوم عطلة إلى درس كبير، تعلّم فيه الأطفال معنى المسؤولية… ومعنى أن لكل فعل عاقبة، حتى ولو كان في يوم مشمس من أيام الربيع التي تحلو فيها النزهة والاستجمام.