عقيدة الكراهية: حين يتحوّل العداء للمغرب إلى شرطٍ لبقاء النظام الجزائري ✍️: عبدالقادر كلول

1٬020

قلم ✍️: عبدالقادر كلول

 

 

 

في كل مرة يلوح فيها أفقٌ لتهدئة النفوس، وتبدو مناسبة إنسانية أو رياضية قادرة على جمع ما فرّقته السياسة، يخرج نظام الجزائر ليصرّ على إخراج أخبث ما فينا، وكأن الصفاء عدوٌّ وجودي له، وكأن أي لحظة نقاء تشكّل تهديدًا مباشرًا لبقائه.
حادثة حجب صورة صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله من طرف محسوبين على البعثة الجزائرية داخل فندق إقامتهم بالرباط، لم تكن تصرفًا عابرًا ولا زلّة بروتوكولية يمكن تجاوزها بسهولة، بل كانت فعلًا رمزيًا محمّلًا بكل دلالات العداء المزمن الذي يحكم عقيدة حكام قصر المرادية تجاه المغرب ورموزه. حادثة أعادت إلى الأذهان حقيقة ثابتة: هذا النظام لا يرى في المغرب جارًا ولا شقيقًا، بل “خصمًا وجوديًا” يُستدعى في كل مناسبة لتبرير الفشل، وصناعة عدوّ وهمي تُعلّق عليه كل الأزمات.
كانت المناسبة رياضية، والرياضة، في معناها النبيل، مساحة للتسامح والتنافس الشريف، وفرصة لتقريب الشعوب قبل المنتخبات. لكنها، في عقل هذا النظام، لا تخرج عن كونها ساحة أخرى لبث السمّ السياسي، وإعادة تدوير خطاب الكراهية. فحين تعجز السياسة عن تحقيق انتصارات حقيقية، يُلجأ إلى الاستفزازات الصغيرة، لأنها الأقل كلفة والأكثر ضجيجًا في الإعلام الموجّه.
إن حجب صورة ملك البلاد داخل عاصمة المملكة المغربية ليس إساءة لشخص أو رمز فحسب، بل هو تعبير فجّ عن أزمة عميقة يعيشها نظام لم يعد يملك مشروعًا جامعًا لشعبه، فاختار أن يجعل من العداء للمغرب عقيدة دولة، ومن الإساءة لرموزه سلوكًا متكررًا. نظام يدرك أن أي تقارب حقيقي مع المغرب، أو أي اعتراف بشرعية رموزه، سيُسقط آخر أوراق التوت التي يستر بها عجزه عن بناء دولة قوية، عادلة، ومتصالحة مع ذاتها.
لقد بنى حكام المرادية شرعيتهم منذ عقود على وجود “عدو خارجي” دائم، يُستعمل لتخويف الداخل، وتكميم الأفواه، وصرف الأنظار عن الأسئلة المؤلمة: لماذا بلد بثروات هائلة يعاني من أزمات متراكمة؟ ولماذا تُدار دولة بحجم قارة بعقلية أمنية مغلقة؟ ولماذا يُقمع الاختلاف باسم معارك لا تنتهي خارج الحدود؟
الأخطر من ذلك، أن هذا السلوك لا يستهدف المغرب وحده، بل يسعى عمدًا إلى تسميم العلاقة بين الشعبين المغربي والجزائري، لأن النظام يعلم يقينًا أن التقارب الشعبي هو الخطر الحقيقي عليه. فالشعبان، رغم الحدود والخطابات العدائية، يشتركان في التاريخ واللغة والوجدان، وأي مصالحة حقيقية بينهما تعني نهاية تجارة الكراهية التي يتغذى عليها هذا النظام.
لهذا لا يترك مناسبة، رياضية كانت أو ثقافية أو إنسانية، إلا ويستغلها لبث الفتنة، لأنه يدرك أن الهدوء بداية سقوطه، وأن الصفاء يفضح عورته، وأن العكارة وحدها تضمن له الاستمرار. إنه يشبه، بحق، التماسيح التي لا ترى في نقاء المياه إلا دنوّ حتفها، لأن صفاءها يكشفها، ويجرّدها من قدرتها على الاختباء.
في المقابل، يواصل المغرب، دولةً وشعبًا، التعامل مع هذه الاستفزازات برصانة الدول الواثقة من نفسها، المتمسكة برموزها، والمطمئنة إلى شرعية تاريخها. فصورة الملك لا تحتاج إلى جدار فندق لتثبت حضورها؛ هي راسخة في وجدان المغاربة، ومحصّنة بمسار دولة اختارت البناء بدل الصراخ، والعمل بدل المؤامرة.
إن مثل هذه الأفعال لا تنال من المغرب في شيء، بقدر ما تكشف إفلاس خطابٍ لم يعد يملك ما يقدمه سوى الكراهية، ولا يعيش إلا على استحضار عدوٍّ خارجي. والتاريخ علّمنا أن الأنظمة التي تتغذى على الحقد، وتنمو في مستنقعات العداء، تنتهي دائمًا إلى عزلة خانقة، فيما تبقى الدول التي تراهن على الحكمة والثبات أقرب إلى المستقبل.
ويبقى السؤال معلقًا: إلى متى سيظل نظام الجزائر أسير هذه العقيدة المريضة؟ وإلى متى سيصرّ على جرّ المنطقة إلى توترات عبثية بدل أن يكون جزءًا من حلّ تاريخي يليق بشعوب المغرب الكبير؟
أما المغرب، فسيظل، كما كان دائمًا، أكبر من الاستفزاز، وأعمق من الكراهية، وأثبت من كل محاولات النيل من رموزه.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.