من “ابتعدوا عن السياسة” إلى “انخرطوا فيها”: حين تتحول الذاكرة السياسية إلى عبء على أصحابها

541

قلم : عبد الجليل ابو الزهور 

 

 

لم يكن أحد يتوقع أن يتحول الخطاب السياسي، في ظرف زمني وجيز، إلى هذا القدر من التناقض الفج الذي يسيء قبل كل شيء إلى ذكاء المواطن وثقة الشباب. فبين الأمس القريب، حين خرج الأمين الجهوي لحزب الأصالة والمعاصرة، رئيس جماعة دمنات، عبر برنامج “عين على المدينة” لصاحبه علاء السحنوني، ناصحًا الشباب بعدم الاهتمام بالسياسة، وبين اليوم الذي يقف فيه في الجمع العام لتأسيس تنظيم شبابي تابع لنفس الحزب داعيًا نفس الفئة إلى الانخراط والمشاركة… تضيع الحقيقة، ويطفو السؤال الكبير: ماذا حدث بالضبط؟
هل تغيرت قناعات الرجل فجأة؟ أم أن الأمر لا يعدو أن يكون مجرد تبديل للأقنعة حسب السياق والمصلحة؟
إن ما نعيشه هنا ليس تطورًا طبيعيًا في المواقف، بل نموذج صارخ لازدواجية الخطاب، حيث يتم توجيه الرسائل حسب الحاجة: تثبيط حين يكون الحضور الشبابي مزعجًا أو خارج السيطرة، وتحفيز حين تصبح الحاجة إليهم انتخابية أو تنظيمية. إنها سياسة “زر الإطفاء والتشغيل” في التعامل مع وعي الشباب، وكأنهم مجرد أدوات ظرفية لا مواطنون كاملو الحقوق.
الأخطر من ذلك، أن هذا التناقض لا يقف عند حدود التصريحات، بل يعكس أزمة أعمق في تصور العمل السياسي نفسه. فكيف يمكن لشاب أن يثق في دعوة للمشاركة، وهو يتذكر جيدًا أن نفس الجهة كانت بالأمس القريب تحثه على الابتعاد؟ وكيف يمكن لحزب أن يبني تنظيمًا شبابيًا قويًا، وهو يسمح لمثل هذه الخطابات المتضاربة بأن تصدر عن قياداته دون مساءلة أو توضيح؟
إن ما يصدر عن هذا المسؤول لا يمكن فصله عن حالة من تضخم الذات السياسي، حيث يصبح الفاعل مقتنعًا بأنه فوق النقد، وأن ذاكرة الناس قصيرة، وأن بإمكانه إعادة صياغة مواقفه دون حرج أو محاسبة. غير أن الواقع يقول غير ذلك: الشباب اليوم يوثق، يقارن، ويستنتج… ولم يعد ذلك الجمهور الذي يُخاطَب بخطاب واحد فينسى ما قبله.
إن الاستمرار في التعويل على نفس الوجوه التي استهلكت كل رصيدها السياسي، ولم تعد تقدم سوى خطابات متآكلة تثير الاشمئزاز أكثر مما تثير الحماس، هو رهان خاسر بكل المقاييس. بل إنه يكرس النفور من العمل السياسي، ويدفع المزيد من الشباب إلى العزوف بدل الانخراط.
رسالة واضحة إلى شباب حزب الأصالة والمعاصرة: لا تجعلوا من أنفسكم وقودًا لخطابات متناقضة، ولا تقبلوا أن يتم استدعاؤكم فقط عند الحاجة. السياسة التزام ومصداقية قبل أن تكون شعارات.
ورسالة إلى الحزب: إن تجديد النخب لم يعد ترفًا، بل ضرورة. فالتشبث بأشخاص انتهت مدة صلاحيتهم السياسية، ولم يعد لهم ما يقدمونه سوى التناقض والارتباك، لن يؤدي إلا إلى مزيد من فقدان الثقة.
أما عن السؤال: ماذا حصل بين الأمس واليوم؟
فالجواب بسيط ومقلق في الآن ذاته: لم يتغير شيء… سوى أن الخطاب انكشف.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.