في رثاء الفيلسوف إدغار موران، فيلسوف التعقيد الذي ظل ملتزماً بقضايا الإنسان  بقلم : حسن تزوضى

1٬213

 بقلم : حسن تزوضى

 

رحل اليوم الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران عن عمر ناهز 104 أعوام، بعد مسيرة فكرية استثنائية امتدت لأكثر من قرن. وبرحيله هذا المحزن؛ لا يفقد العالم مجرد مفكر كبير، بل يفقد أحد آخر حكماء العصر الذين جعلوا من التفكير مسؤولية أخلاقية ومن المعرفة مشروعاً إنسانياً يتجاوز حدود التخصصات والانقسامات الضيقة.
لقد ارتبط اسم موران بمشروع فكري فريد عُرف بـ«الفكر المركب»، وهو مشروع سعى إلى تجاوز المنظوات الاختزالية التي مزقت وحدة المعرفة وفصلت بين الإنسان والطبيعة والمجتمع. فقد آمن موران بأن العالم أكثر تعقيداً من أن يُفهم بمنطق التبسيط، ففهم الظواهر الإنسانية والطبيعية وإدراك حقيقتها يقتضي الاعتراف بتشابكها وترابطها، ومن هنا جاءت دعوته إلى بناء معرفة قادرة على احتضان التعقيد بدل الهروب منه.
غير أن قيمة إدغار موران لا تكمن فقط في إسهامه النظري، بل أيضاً في التزامه الدائم بقضايا الإنسان. فقد ظل طوال حياته منحازاً إلى الحرية والكرامة والتضامن الإنساني، ومدافعاً عن حق الشعوب في العيش الكريم، كما كان من بين الأصوات الفكرية التي نبهت مبكراً إلى المخاطر البيئية التي تهدد مستقبل البشرية. لقد أدرك أن الأزمة البيئية ليست مجرد خلل تقني أو اقتصادي، بل هي نتيجة رؤية حضارية جعلت من الطبيعة موضوعاً للهيمنة والاستغلال.
وفي هذا السياق، يحتل موران مكانة خاصة ضمن اهتماماتي البحثية في مجال الفلسفة البيئية. فهو من المفكرين الذين أسهموا، إلى جانب ثلة من الفلاسفة البيئيين، في بلورة براديغم جديد يسعى إلى إعادة التفكير في العلاقة بين الإنسان والطبيعة، في مقابل براديغم الحداثة الذي تأسس على فكرة السيطرة والتحكم. لذلك سيكون لفكره حضور وازن في أطروحتي للدكتوراه حول الفلسفة البيئية ونقد العلم الحديث، باعتباره أحد المفكرين الذين فتحوا آفاقاً جديدة للتفكير في مصير الإنسان والأرض معاً.
لقد كان شرفاً كبيراً بالنسبة إلي أن أقترب من المتن الفلسفي لهذا المفكر العظيم، وأن أجد في كتاباته أدوات نقدية تساعد على فهم الأزمات المعاصرة. واليوم، بينما أتلقى خبر رحيله، أشعر بأنني لا أودع مجرد فيلسوف قرأت له، بل أودع عقلاً استثنائياً ساهم في تشكيل جزء من أسئلتي الفكرية والبحثية. ومع ذلك، فإن وفاته لا تدفعني إلى الحزن فقط، بل تزيدني عزيمة وإصراراً على مواصلة الحفر في مشروعه الفكري، وفاءً لما قدمه للفلسفة وللإنسانية وللقضايا المصيرية التي تواجه عالمنا.
لقد علّمنا إدغار موران أن الإنسان والطبيعة ليسا كيانين منفصلين، وأن مصير البشرية مرتبط بمصير الأرض التي تحتضنها. كما علّمنا أن المعرفة الحقيقية لا تُبنى على اليقين المغلق، بل على الانفتاح والحوار والوعي بالتعقيد. ولهذا سيظل فكره حياً في كل محاولة لفهم العالم فهماً أكثر عمقاً وإنسانية.
سلام على روح إدغار موران، فيلسوف التعقيد والإنسانية، الذي ظل وفياً لقضايا الإنسان حتى آخر أيامه. وبرحيله يخسر الفكر المعاصر أحد أعلامه الكبار، لكن إرثه الفكري سيبقى شاهداً على أن الفلسفة يمكن أن تكون فعلاً من أفعال المقاومة، وأن التفكير يمكن أن يكون دفاعاً عن الإنسان والأرض والوجود.
فلترقد روحك بسلام أيها العظيم إدغار موران.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.