خريبكة : الفضاء السيميائي في الرواية المغربية

80

ازيلال 24: أحمد لعيوني

 

 

احتضنت الكلية متعددة التخصصات بخريبكة، يوم الخميس 4 يونيو 2026، عرسا أكاديميا وثقافيا بارزا، استقطب نخبة من المثقفين والباحثين والطلبة، حيث جرت مناقشة أطروحة دكتوراه للباحث عبد الكريم لعوينة بعنوان “الفضاء في الرواية المغربية باللسانين العربي و الأمازيغي : دراسة سيميائية وصفية”، تحت إشراف الدكتور الشرقي نصراوي، وترأس اللجنة العلمية الدكتور الحبيب ناصري، وعرفت مشاركة وازنة في عضويتها لكل من الدكاترة : منير وسكوم، رشيد طلال وكمال ذاكير. وتوجت بحصول الباحث على شهادة الدكتوراه بميزة مشرف جدا مع التنويه، والتوصية بالطبع.

تكتسي هذه الأطروحة أهمية خاصة لكونها تنفتح على مجال لا يزال محدود الحضور في البحث الأكاديمي المغربي، ويتمثل في الدراسة المقارنة بين المتنين الروائيين العربي  والأمازيغي من منظور سيميائي. وقد اختار الباحث روايتي : “رواء مكة” لحسن أوريد، و”شامحظيظ” لمحمد أوسوس نموذجا للتطبيق، سعيا إلى تجاوز المقاربات النقدية التي تعاملت مع الإنتاجين، العربي والأمازيغي، باعتبارهما مجالين انفصاليين.

انطلقت الدراسة من تصور نظري يعتبر الفضاء الروائي بنية دلالية منتجة للمعنى، لا مجرد إطار هندسي، أو وعاء للأحداث. فالفضاء، وفق منظور السيميائي، يتحول إلى نظام من العلامات والرموز القادر على تمثيل القيم الثقافية والاجتماعية والسياسية، وعلى التعبير عن رهانات الهوية والذاكرة والانتماء.

واعتمد البحث على مرجعيات  علمية متعددة، في مقدمتها مدرسة باريس السيميائية، خاصة أعمال ألغريداس غريماس، وجاك فونتني، إلى جانب سيمياء الثقافة لدى يوري لوتمان وأمبرتو إيكو. كما استثمر التحولات التي شهدها النقد المعاصر  منذ اللسانيات البنيوية مع فرديناند دو سوسر، وصولا إلى التصورات التأويلية وما بعد البنيوية التي رسخها رولان بارت من خلال مفهوم “موت المؤلف”، وما ترتب عنه من انتقال مركز الاهتمام من سلطة الكاتب إلى دينامية النص وانفتاحه على تعدد الدلالات.

وتستند هذه الدراسة على أربعة مرتكزات أساسية : أولا، إبراز الخصوصية الهوياتية للمجال المغربي في ظل التعدد اللغوي، والكشف عن وحدة المتخيل الجغرافي والثقافي المشترك بين الرواية العربية والأمازيغية. وثانيا، سد الفراغ المعرفي الذي تعرفه الدراسات المقارنة بين الأدبين. وثالثا، مواكبة التحولات التي تشهدها الرواية المغربية المعاصرة وأسئلتها المرتبطة بالذات والوجود. أما المرتكز الرابع فيتعلق بفعالية المنهج السيميائي في تفكيك الدلالات العميقة للأمكنة وتسميات الفضاءات وما تختزنه من حمولات رمزية وثقافية.

على المستوى التطبيقي، أبرزت الدراسة كيف يتحول الفضاء في رواية رواء مكة إلى مجال لإعادة بناء الهوية الروحية للشخصيات، في حين كشفت قراءة رواية شامحظيظ عن كثافة الرموز الثقافية المرتبطة بالفضاء الأمازيغي، مع توظيف أدوات تحليلية من قبيل سيمياء العتبات والمربع السيميائي لفهم جدليات الانتماء والاغتراب.

وفي المستوى المقارن، توصلت الأطروحة إلى وجود تقاطعات عميقة بين النصين رغم اختلاف اللغة، إذ يؤدي الفضاء وظيفة نقدية مشتركة في مساءلة الواقع الاجتماعي والسياسي. كما يتجلى ذلك في تمثيل فضاءات  مغلقة مثل السجن والزنزانة باعتبارها مختبرات رمزية لإعادة تشكيل الذات واختبار حدود الحرية. وأبرزت الدراسة  كذلك حضور الفضاء المقدس بوصفه ملاذا رمزيا للبحث عن المعنى واستعادة التوازن الوجودي، سواء في صورته الروحية المرتبطة بمكة أو في تجلياته المرتبطة بالضريح والمعتقد الشعبي.

تخلص الأطروحة إلى أن الفوارق القائمة بين الرواية العربية والأمازيغية لا تكمن في اللغة وحدها، بل في الأنساق الثقافية والرمزية التي تؤطر عملية إنتاج المعنى وتلقيه. وتؤكد الدراسة أن الرواية المغربية، على اختلاف لغاتها، تنهل من مرجع ثقافي ومجالي مشترك يجعلها تعبر عن أسئلة إنسانية ووطنية واحدة، وتوظف الفضاء باعتباره أداة جمالية ونقدية في الآن ذاته. وتفتح هذه النتائج آفاقاً جديدة أمام البحث الأدبي المغربي، من خلال الدعوة إلى تعزيز الدراسات المقارنة والانفتاح على المتن الأمازيغي بوصفه مكوناً أساسياً من مكونات الثقافة المغربية، وعنصراً فاعلاً في بناء متخيل وطني متعدد الروافد وقادر على الحوار مع الآداب العالمية.

وفي هذا السياق، تقاطعت خلاصات الدراسة مع مناقشات أعضاء اللجنة المشرفة، الذين أجمعوا على  كونالأطروحة نجحت في إثبات أن الفضاء في الرواية المغربية بلسانيها ليس  وعاء  مجردا، بل هو لغة بصرية وطبوغرافية حية تسهم في صياغة المتخيل المجالي للمغرب. بناءً على ذلك، يُعدّ هذا العمل الأكاديمي خطوة جبارة تكرس التعددية الثقافية والتاريخية التي يزخر بها الأدب المغربي، وتفتح آفاقاً واعدة للبحث السيميائي الرصين في جامعاتنا.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.