صحافة النقد المهني.. عندما يفقد الخطاب الصحفي توازنه!

112

أزيلال 24 : عبد الجليل ابو الزهور 

 

 

لم تكد الحكومة الجديدة ترى النور، ولم يجف بعد حبر التعيينات، حتى بادر بعض المشتغلين في المجال الصحفي إلى تناول المرحلة الجديدة بلهجة حادة، قبل أن تتضح معالمها أو تُعرض برامجها وأولوياتها. وقد انصب جزء من هذا الخطاب على رصد الأخطاء والهفوات واستباق تقييم الأداء، بدل التركيز على مساءلة الوزراء بشأن التزاماتهم وانتظارات المواطنين.
حكومة لم تتسلم فيها بعض القطاعات بعد مهامها كاملة من الوزراء المغادرين، ولم تتضح بعد معالم برنامجها، ولم يُقدَّم تصريحها الحكومي الذي يفترض أن يكشف توجهاتها وأولوياتها والتزاماتها، ومع ذلك صدرت مواقف وأحكام مبكرة بشأن أدائها المرتقب. ويطرح ذلك سؤالًا مشروعًا حول مدى ملاءمة توقيت النقد للمعطيات المتاحة، وحول ضرورة التمييز بين التقييم المبني على الوقائع والانطباعات المسبقة.
فبأي منطق يُحاسَب وزير على حصيلة لم ينجزها، أو يُنتقد قبل أن تتاح له فرصة عرض برنامجه، أو يُحمَّل مسؤولية اختلالات سابقة قبل أن تتضح حدود مسؤوليته عما ورثه من تراكمات؟ أليست المحاسبة، في أبسط قواعدها، مرتبطة بالوقائع والمسؤوليات والآجال، لا بالانطباعات أو التقديرات المسبقة؟
إننا لا ندافع عن وزير، ولا نمنح شيكًا على بياض لحكومة، ولا نطالب الصحافة بتعليق أقلامها أو تأجيل واجبها الرقابي. بل نؤكد أن الصحافة الحرة مطالبة بأن تكون يقظة، جريئة، قادرة على مساءلة المسؤولين والتنبيه إلى مواطن الخلل. لكن ثمة فرقًا بين صحافة تراقب السلطة وصحافة تتعامل معها بمنطق الخصومة المسبقة، وبين نقد يستند إلى الوقائع وخطاب يركز على الإيحاءات أو الاستنتاجات غير المدعومة.
المشكلة ليست في حدة النقد، بل في الأساس الذي يستند إليه والغاية التي يحققها.
فحين يتحول المقال الصحفي إلى مزيج من التلميحات والاتهامات غير الموثقة، وحين تُستخرج الأخطاء من سياقاتها أو تُضخَّم الهفوات، وتُطرح الأحكام قبل ظهور أي حصيلة قابلة للتقييم، يصبح من المشروع أن نتساءل: هل نحن أمام ممارسة صحفية مسؤولة، أم أمام محاولة للتأثير في المسؤول الجديد قبل أن يباشر مهامه بصورة كاملة؟
والأهم أن النقد يفقد جزءًا من مصداقيته حين يبدو متغيرًا بحسب الظروف أو طبيعة العلاقة مع المسؤولين. فقد تتحول اللغة من التشدد إلى الإشادة، أو من التشكيك إلى التمجيد، دون أن تواكب ذلك معطيات واضحة تبرر هذا التحول. وفي مثل هذه الحالات، يصبح من الضروري التأكيد على أن النقد الصحفي ينبغي أن يستند إلى معايير ثابتة، لا إلى اعتبارات ظرفية أو علاقات متبدلة.
وهنا تبرز أهمية الفصل بين تقييم الأداء والتعامل مع الأشخاص. فمن حق الصحافة أن تنتقد المسؤول حين يخطئ، وأن تنصفه حين ينجح، وأن تتابع قراراته ونتائجها بموضوعية. كما أن من واجبها أن تضع مصلحة المواطنين في صدارة اهتمامها، بعيدًا عن المبالغة أو التعميم أو تحويل النقاش العام إلى مواجهة شخصية.
إننا لا نجزم بأن كل نقد مبكر تحركه مصلحة، ولا نضع جميع الصحافيين في سلة واحدة؛ فبين أبناء المهنة من يواجه النفوذ، ويكشف الاختلالات، ويدفع ثمن استقلاليته. لكننا نرفض أن يُتخذ العمل الصحفي غطاءً لممارسات تسيء إلى المهنة، وتخلط بين الحق في المساءلة والرغبة في الضغط، وبين حرية التعبير وإطلاق أحكام لا تستند إلى معطيات كافية.
فالصحافة ليست وسيلة للنيل من الأشخاص، ولا أداة لتصفية الحسابات، ولا خطابًا تتبدل معاييره بحسب موقع صاحبه من السلطة. إنها سلطة رقابية تستمد مشروعيتها من استقلاليتها، ومصداقيتها من التثبت، وقوتها من قدرتها على عرض الحقيقة في سياقها الكامل.
وإذا كان الوزراء الجدد مطالبين بإثبات كفاءتهم، فإن بعض من يكتبون عنهم مطالبون بدورهم بإثبات نزاهة ممارستهم الصحفية. فكما لا ينبغي للمسؤول أن يختبئ وراء حداثة تعيينه للإفلات من المساءلة، لا ينبغي لمن يمارس الصحافة أن يختبئ وراء حرية التعبير لتبرير التسرع أو التعميم أو التشهير.
لقد ملّ المواطن من خطابات التطبيل، كما ملّ من حملات التشويش التي لا تقدم معلومة موثقة، ولا تقترح حلًا، ولا تكشف خللًا محددًا بقدر ما تركز على الإثارة. وما يحتاج إليه اليوم ليس صحافة تبحث عن أخطاء الوزراء قبل أن يبدأوا العمل، بل صحافة تراقب السياسات العمومية، وتفحص الميزانيات، وتتبع الصفقات، وتكشف تضارب المصالح، وتقيس النتائج، وتضع الوعود الانتخابية والحكومية تحت مجهر المساءلة.
أما أن تتحول كل حكومة جديدة إلى مناسبة لإطلاق مواقف حادة قبل أن يتضح برنامجها وتُعرف حصيلتها، فذلك لا يعكس بالضرورة قوة مهنية، وقد يساهم في إضعاف النقاش العمومي وإبعاد الاهتمام عن القضايا الفعلية التي تهم المواطنين.
وليعلم كل مسؤول حكومي أن الصحافة ليست خصمًا ينبغي استرضاؤه، كما أن الصحفي المستقل ليس شخصًا ينبغي التأثير فيه بالمجاملة أو الامتيازات. العلاقة السليمة بين الطرفين لا تُبنى على الإكراميات ولا على التفاهمات غير المعلنة، بل على الحق في الوصول إلى المعلومة، واحترام القانون، وحق المجتمع في معرفة الحقيقة.
وفي المقابل، على كل من يرفع شعار الصحافة أن يدرك أن القلم أمانة قبل أن يكون وسيلة للظهور، وأن النقد مسؤولية قبل أن يكون تعبيرًا عن الموقف، وأن استقلالية الصحفي تُقاس بقدرته على مواجهة المسؤول حين يخطئ، وإنصافه حين يصيب، والاحتكام في الحالتين إلى الوقائع والمعايير نفسها.
فإما صحافة تراقب السلطة باسم المواطن، وإما خطاب يركز على التأثير أكثر من التحقق. أما الجمع بين ادعاء الاستقلالية وتغيير المواقف دون مبررات واضحة، فيضعف الثقة في الرسالة الصحفية مهما رُفعت من شعارات الجرأة ومحاربة الفساد.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.