نَحْنُ: الجزيرة…قلم :حليمة الجندي

653

قلم :حليمة الجندي

 

كان ختام كأس أمم القارة شديد الغرابة وكفيلا بأن يغري بالمتابعة حتى من لا يشاهد عادة مباريات كرة القدم، إما لأنه لا يحبها أو لأنه يحبها ولكن يرأف بأعصابه ويحبّ عضلة قلبه أكثر، أو من يتّقيها خوفا من سلطتها “الخارقة” عليه وعلى غيره، وهي التي بقدر ما تؤاخي وتجمع بقدر ما تفرق وتقطع.

تلا تلك الليلة مشهدٌ غرائبي، شذّ فيه حزنٌ وسخط إنساني طبيعي بعدم الفوز، ليتحول إلى دخول في حالة تشبه الخَبَل والذُهان الجمعي، فكأن بالكراهية والعنصرية والتطرف والعنف واللاّأخلاق جميعا رابضة متربصة تنتظر العذر الهين حتى تطفح على السطح وتتسيد الافتراض والواقع. وانبرى “قادة رأي” و”نخب” هذا الزمن المأزوم قِيميا، الضارب أسداسه بأخماسه هُوياتيا، هؤلاء القادرون على التأثير على ما يبدو في أفكار وأحوال العباد، (انبروا) للنفخ، والأصح النفث في عُقدِ فِتنَاتٍ اختلطت فيها قواميس العرقي بالديني بالتاريخي بالأيديولوجي واللائحة تطول. وبدعوى الثورة لكرامة وكرم جماعتنا، أيقظنا نزعات بدائية تمتهن وتهين صاحبها بقدر ما تسيء “لخصمه” وربما أكثر.

هذا المشهد الذي يستحق التوقف والتفكيك والتحليل، دليلٌ آخر على خطورة هذا الزمن الذي نحن أهله. خُطورةٌ مُرَكّبة عنوانها قِيَمِي وتِقَنِي.

أما الأول، فإدبارٌ عن المسلمات والمكتسبات التي تقوم عليها المدنية المعاصرة، بسبب تهاوٍ للقيم والمبادئ الكبرى التي تأسست حولها العلاقات بين الاأراد والجماعات، والتي تنتصر ولو شكليا لحقٍ أو منطقٍ أو إنسانيةٍ ما، وثانيها وهو أهمّها تقنيةٌ أسستْ لنظام/لا نظام ثقافي واجتماعي يسمح، بفضل تقنيات التواصل، حرفيا “للي يسوى واللي مايسواش” بالتحكم والتأثير الذي يمنح في زمن الأزمة شرعية شعبوية لتعطيل العمل بالقيم والأخلاق، وحتى العقل.

وقد يقول قائل: “أليس ما دفع لما كان، جزئيا على الأقل، هو ردةُ فعلٍ على استفزاز أو بخسٍ أو إفك؟”.

ولو .. وإن كان.. فسقُوط بعضِ الآخرين، لا يُقابَل بسقوطٍ مثله.. وأقول “بعض” لأن التعميم خطيئة، وهو مدخل العنصرية والتمييز الذي وجب أن يُربأ التهاوي في بئره، ولو زُجّ فيه المرء زجا.

إن أصالة وعراقة وغِنى الوطن، مَردُّه انتماءٌه جغرافيا وتاريخيا من البحر شمالا إلى أدنى البحر جنوبا، وثقافيا وحضاريا من البحر غربا إلى أقصى البحر شرقا. نتقاسم فيه مع هذا الجوار الجنوبي الممتد بين محيطين: دما مع البعض، ودينا مع البعض، ولغة مع البعض، وتاريخا مع البعض، وحضارة مع البعض، ونضالا من أجل التحرر من قبضة الاستعمار مع الجميع.

فإن كان “قدرا” أن نكون جزيرة، فتلك هي جزيرتنا التي ليس منها بدّ ولا مفر، وتلك لو تعلمون، في زماننا العجيب هذا، مِنّة عظيمة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.