تدبير المقاولات في علاقته بأحكام مدونة الشغل قلم : مولاي علي الوديع الغفيري
قلم : مولاي علي الوديع الغفيري
إن الحديث عن التدبير المقاولاتي ببلادنا أضحى أكثر من أي وقت مضى حاجة ملحة لتسريع وثيرة النمو وترسيخ قواعد الحكامة وتقوية العلاقات المهنية، وارتباطا بدلك فإن القوانين والتشريعات المؤطرة ذات الصلة يجب أن تواكب هذا التطور وتسعى إلى إصدار مقتضيات قانونية تستجيب لطموحات وانتظارات المعنيين وتساهم في إرساء أسس العمل اللائق داخل المقاولة المغربية، التي تثوق إلى علاقات مهنية مستقرة ومنتجة ترفع منسوب النجاعة والفعالية في التدبير اليومي لشؤونها.
إن تأهيل المقاولة المغربية يستوجب أساسا النهوض بمستوى التكوين للأجراء العاملين بها، والرفع من قدراتهم التقنية والمهنية بكيفية تتماشى والتحولات الجارية على النسيج الاقتصادي، الذي يشهد تغييرات متسارعة على كافة المستويات **العمل عن بعد وتقنيات الدكاء الإصطناعي وغيرها**ويتطلع إلى الرفع من مستوى آليات اشتغاله لربح الوقت والتكيف مع متطلبات العصر الذي أصبح لا يؤمن إلا بالعنصر البشري المؤهل والقادر على العطاء المتجدد .
وبناء على دلك، فإن التساؤل المطروح هو إلى أي مدى حاولت مدونة الشغل التجاوب مع هذا التوجه وإعداد المقتضيات اللازمة لمسايرة التحديث داخل المقاولة المغربية، وماهي الآليات المعتمدة لإعمال تدبير ناجع للموارد البشرية بها.
إن الجواب عن هذه الاسئلة وغيرها يجد صداه في الواقع العملي الذي تعيشه المقاولة المغربية من خلال التراكمات المسجلة مند صدور مدونة الشغل ودخولها حيز التنفيذ بتاريخ 8 يونيو2004.
من المعلوم، أن النسيج الاقتصادي والاجتماعي ببلادنا، قد شهد في السنوات الأخيرة تطورا ملحوظا على جميع المستويات وذلك بفضل السياسات العمومية المستمدة من التوجيهات الملكية السامية التي هيأت أرضية ملائمة للاسثتماروشجعت الرأسمال الوطني منه والأجنبي على القيام بمشاريع استثمارية همت قطاعات اقتصادية مختلفة خصوصا مع الأوراش الكبرى التي ستشهدها بلادنا في غضون الأشهر والسنوات المقبلة أبرزها المونديال الكروي سنة 2030 ،وعلاقة بدلك، فإن دراسة معمقة لمقتضيات المدونة تظهر بجلاء أن هناك خيطا ناظما بين ما أشرنا إليه سلفا والأحكام الواردة في بعض فصول مدونة الشغل، ولعل أبرز دليل على ذلك هو التنصيص على وضع نظام داخلي بالنسبة لجميع المقاولات والمؤسسات التي تشغل مالايقل عن عشرة أجراء بعد مرور سنتين من إحداثها، وقد كان المشرع المغربي حكيما وهويقر بهذا المقتضى داخل أجل محدد، وحسب رأيي المتواضع فإن مرور سنتين من الإنتاجية هي مدة كافية لقياس مدى قدرة المشغل على وضع مؤسسته في السكة الصحيحة من جهة، وانسجاما مع مبدأ المرونة الذي اعتمدته المدونة بالنسبة للمقاولات الحديثة النشأة إظافة إلى الشروط الواجب توفرها لإجراء انتخابات مندوبي الأجراء من جهة ثانية، أما عن مضمون هذا النظام الداخلي فهو بمثابة خارطة طريق للمنهجية التي تعتزم المؤسسة اتباعها من أجل تدبير محكم وتسيير رصين لمواردها البشرية من شأنه أن يضمن حداأدنى من الاستقرار والمردودية داخل فضاء يسعى الجميع لتطويره وتحسين تنافسيته بما يخدم مصالح جميع أطراف العلاقة الشغلية.
وبالرجوع إلى الممارسة الميدانية يبدو بوضوح أن المشغلين الذين أخدوا المبادرة وقاموا بوضع نظام داخلي وفق الشروط المنصوص عليها في الفصل 138 من المدونة ( دون انتظار إلزامهم بذلك من طرف مفتشي الشغل ) -والمتمثلة بالأساس في إطلاع مندوبي الأجراء والممثلين النقابيين للمقاولة عند وجودهم على مضمونه وموافقة السلطة الحكومية المكلفة بالشغل-، قد وفروا على أنفسهم عناء الدخول في شنآن مع عمالهم على الأقل خلال السنوات الأولى من حياة المقاولة والتي تعتبر فترة مفصلية لضمان إنتاجية أكثروسلم إجتماعي مستدام بحكم معرفة الجميع لما له وماعليه بناء على التدابير الواردة في النظام الداخلي،المتضمن لمقتضيات قانونية عامة وأخرى خاصة تبعا لطبيعة ونشاط المقاولة.
ولما كان هذا النظام الداخلي من صنع المشغل مع امكانية دراسته مع ممثلي الأجراء من خلال اطلاعهم عليه، فان المشرع المغربي قد زاد من ترميم هذا التناغم بين أطراف العلاقة الشغيلة عبر إقرار ولأول مرة في التشريع الاجتماعي المغربي مبدأ المفاوضة الجماعية كوسيلة ومنهجية رائدة لحل النزاعات واعتماد الحوار والتفاوض كقاعدة بدل سياسة المواجهة والتصادم.
إن المفاوضة الجماعية كآلية مركزية للحوار الاجتماعي وفق ما نصت عليه المادة 92 من مدونة الشغل قد أسست لثقافة جديدة داخل المقاولة المغربية ،تقوم على ركائز واضحة قوامها بناء الثقة وخلق مناخ اجتماعي سليم عبر مستويات تدريجية من التفاوض تفضي إلى إبرام اتفاقيات شغل جماعية ملزمة ومتوافق بشأنها للرفع من مستوى التدبير وتحسين العلاقات المهنية، وما أحوجنا اليوم إلى هذه الصيغ من التحاور المؤدية إلى ميلاد قوانين تعاقدية محددة في الزمان والمكان ،وهادفة إلى ترشيد الجهود وتحقيق حد أدنى من التجانس من شأنه خدمة المصالح المشتركة للأجراء وأرباب العمل داخل إطار يحكمه القيام بالواجب مقابل التمتع بالحقوق .
لقد عرفت بلادنا في السنوات الأخيرة قفزة نوعية في مجال تشجيع إبرام اتفاقيات شغل جماعية نتيجة لمفاوضات جماعية بفضل المواكبة المستمرة للمصالح المركزية والغير الممركزة لوزارة الشغل التي تولي أهمية بالغة لنشر ثقافة التعاقد بين الفاعلين الاقتصاديين والإجتماعيين لما لها من آثار ايجابية على مضاعفة الإنتاجية واستتباب السلم الإجتماعي، وهنا تبرز المفارقة الجوهرية بين إبرام اتفاقية شغل جماعية متفاوض بشأنها ونظام داخلي مصنوع بإرادة منفردة، وبالمقارنة مع العدد المسجل في بداية الاستقلال فإن العشرية الأخيرة مند صدور مدونة الشغل الجديدة قد شهدت ارتفاعا ملموسا في عدد هذه الاتفاقيات التي مست مختلف الوحدات الانتاجية بأصنافها الاقتصادية المتنوعة هذا الارتفاع لم يكن بالشكل المأمول والمنتظر ، ولكنه يبقى قابلا للتطور لما له من انعكاسات ايجابية على ترسيخ السلم
الاجتماعي بالرغم من بعض التحفظات التي تقف حاجزا أمام هذا التطور من طرف بعض الأطراف المعنية، والتي يمكن تجاوزها عبر الحوار والتفاوض.
ومن أجل إضفاء المزيد من المرونة وتكريس قواعد التواصل والحوار،عملت المقتضيات الجديدة لمدونة الشغل على إقرار آليات تمثيلية للأجراء والمشغلين تروم إعمال مقاربة تشاركية لمعالجة وتدبير الخلافات وايجاد الحلول المناسبة لها كلجان المقاولة ولجان الصحة والسلامة المهنية ومجلس المفاوضة الجماعية وطب الشغل واللجان الثلاثية التركيب، التي جاءت لتسد فراغا كبيرا داخل المنظومة التشريعية للشغل والعلاقات المهنية ببلادنا ،وتستجيب لانتظارات الفرقاء المعنيين الدين كانوا في أمس الحاجة إلى إطار مرجعي للتشاور وتبادل الآراء حول مختلف الإشكالات المطروحة سواء تعلق الأمر بالجوانب الهيكلية للمقاولة أو التي لها علاقة بالصحة والسلامة المهنية وتحسين ظروف العمل، و تتكون هده اللجان من رئيس المقاولة أومن يمثله وممثلي الأجراء والممثلين النقابيين عند وجودهم، غير أن تفعيل هذه الآليات يبقى هوالآخر محدودا على الصعيد الوطني بسبب غياب تمثيلية عمالية داخل المقاولات وهو عنصر أساسي لتشكيل اللجان السالفة الذكر.
ومهما يكن من أمر، فإن التدبير المقاولاتي وتجويد ظروف العمل يبقى من الرهانات الأساسية لترسيخ قواعد العمل اللائق المفضي حتما إلى انبعاث مقاولات مهيكلة ومواطنة تنشد التنمية المستدامة.
مفتش الشغل ومدير إقليمي سابق