الجزء الثاني من نياشين بلا سلاح.. قبم : عبد الجليل ابو الزهور

870

قلم : عبد الجليل ابو الزهور 

 

 

الجزء الثاني من نياشين بلا سلاح
الفصل الأول
الصورة التي لم تُلتقط
لم يكن للحافلة رقم يتذكّره الحسين، ولا لون، ولا حتى ملامح السائق.
ما بقي في ذاكرته هو المقعد الضيّق، نافذة لا تُغلق بإحكام، ورجل جلس إلى جواره دون استئذان، حاملاً ماضيًا لا يعرف كيف يصمت.
— «راك ما كتعرفش شحال تبدلات الدنيا…»
قال الأستاذ وهو يبتسم، كأن الزمن صديق قديم لا يخون.
كان الحسين ينظر إلى الطريق، يهزّ رأسه بلا اكتراث، إلى أن أخرج الرجل ألبومًا صغيرًا، فتحه ببطء، كما لو أنه يقدّم قربانًا لذاكرته.
في الصفحة الثالثة، تجمّد كل شيء.
كانت نسرين.
ليست أخت البيت، ولا تلك الفتاة التي تخفض صوتها حين يعلو صوت الأب، بل امرأة أخرى: جالسة أمام مائدة تعجّ بالقنينات، رأسها مائل، وقنينة جعة تُفرغ ما فيها في جوفها، بعينين نصف مطفأتين.
نسرين…
قال الاسم في داخله، لا كنداء، بل كطعنة.
— «كانت جريئة بزاف.»
قال الأستاذ ضاحكًا، غير مدرك لما يحدث في المقعد المجاور.
مدّ الحسين يده في غفلة، محاولة غريزية لانتزاع الصورة، كمن يريد إغلاق جرح.
— «خلّيها… ما زال بزاف.»
قال الرجل، وسحب الألبوم بلطفٍ أعمى.
حين نزل الحسين من الحافلة، كان يعرف أن شيئًا انتهى.
لم يحتج إلى رسالة، ولا إلى تبرير.
في تلك الليلة فقط… لم يرسل المال.
ومنذ ذلك اليوم،
لم يعد البيت بيتًا،
ولا الصورة مجرّد ورقة.
الفصل الثاني
نسرين: امرأة خرجت من الإطار
لم تكن نسرين ترى في ما فعلته سقوطًا، ولا تمرّدًا.
كانت ترى حياة تُعاش دون استئذان.
حين حملت، جلست طويلًا أمام المرآة. وضعت يدها على بطنها، وقالت بصوت خافت:
— «غادي نتحمّل.»
لم تتحمّل العائلة.
تحمّل الصمت فقط.
بعد الحمل، صارت نسرين أقل حضورًا في البيت، وأكثر حضورًا في الكلام.
الكل يتحدّث عنها، دون أن يتحدّث إليها.
الحسين لم يواجهها.
كان يراها كصورة لم تُحرق، وكجرحٍ يرفض لمسه، لا خوفًا، بل عجزًا.
خرجت نسرين من الإطار العائلي،
وبقي الإطار معلّقًا، فارغًا.
الفصل الثالث
حين وقف الأب في الجهة الأخرى
حين ضاق الحال، قصد الأب المحكمة.
لم يكن يرى في الأمر فضيحة، بل حقًا طبيعيًا.
في الجلسة، وقف الحسين هادئًا. لم يترافع، لم يرفع صوته.
أخرج الصورة.
وضعها أمام القاضي.
ساد صمت ثقيل، كأن القاعة فقدت فجأة قدرتها على التنفّس.
قال القاضي أخيرًا، بصوتٍ محايد:
— «الطلب مرفوض.»
خرج الأب منكسرًا.
وخرج الحسين أخفّ، لكن أكثر وحدة.
فهم، للمرة الأولى، أن القرابة لا تحمي دائمًا،
وأن العدالة أحيانًا لا تفعل سوى كشف المستور.
الفصل الرابع
سلوى: بنت البيت التي لم يُصدّقها أحد
جاء الحمل ثقيلًا على سلوى.
دخلت البيت مكسورة، يدها على بطنها، وعيناها في الأرض.
جاء الشاب معها، ثم أنكر.
— «ما عندي علاقة.»
قيل إن عائلته ميسورة، معروفة في البلدة.
قيل إن الملف ضعيف، وإن القرائن غير كافية.
قيل الكثير… ثم أُغلِق كل شيء.
خرج الشاب نظيف الاسم.
وبقي الحمل شاهدًا بلا صوت.
حادة لم تبكِ.
قالت فقط، وهي تشدّ ثوبها:
— «الدنيا ما كترحمش.»
وسلوى تعلّمت، في صمتها،
أن الحقيقة وحدها لا تكفي.
الفصل الخامس
محمد العطار: ما قبل السقوط
كان محمد العطار يعود من الأقاليم الجنوبية محمّلًا بالفراغ.
يقضي وقتًا قصيرًا مع أمه حليمة، ثم يمضي إلى الحسين.
يشربان، يدخّنان، ويتحدّثان عن لا شيء، كأن الصداقة وطن مؤقّت.
في البيت نفسه، كانت ليلى.
يتيمة الأبوين، من عائلة علي، جمالها أمازيغي هادئ، وحضورها صامت.
استُنزفت طويلًا، حتى بدا الزواج منها خلاصًا أكثر منه اختيارًا.
تزوّجها محمد.
لا عن حبٍّ كامل، ولا عن قناعة راسخة،
بل عن رغبة في الاستقرار، في امتلاك شيء ثابت قبل العودة إلى الجنوب.
كان ذلك الزواج بداية خيط جديد…
لم يكتمل بعد.
الفصل السادس
محمد العطار: المطار
في آخر إجازة، حمل محمد حقيبته، مطمئنًا كعادته.
في مطار أكادير، أوقفوه.
المسحوق كان واضحًا.
والأسئلة قصيرة.
والمحكمة العسكرية أسرع مما توقّع.
حُكم عليه بالسجن.
وشُطبت رتبته.
خرج من المؤسسة كما دخلها:
بلا حماية، وبلا نيشان.
ليلى بقيت في البيت،
زوجة بلا زوج،
وحكاية لم تبدأ بعد.
الفصل السابع
البيت بعد سقوط السقف
لم ينهَر البيت دفعة واحدة.
تفكّك كما تتفكّك الأجساد ببطء.
نسرين خارج الإطار.
سلوى مكسورة.
محمد في السجن.
الأب صامت.
وحادة واقفة، تعدّ الخسائر، وتقول لنفسها:
«أنا فعلت ما يلزم.»
أما الحسين، فقد فهم أخيرًا:
البيت لا ينهار حين يُهدَم،
بل حين يُبرَّر كل ما يحدث داخله.
خرج دون ضجيج.
دون وداع.
ودون نياشين.
خاتمة رمزية قصيرة
في ذلك البيت،
لم يبقَ شيء في مكانه،
إلا الصمت.
والصمت…
كان السلاح الوحيد
الذي لم يُصادَر.
تعليق 1
  1. رضوان الملالي يقول

    رواية رائعة ، قرأت الجزء الأول والثاني ، ، كتبت بأسلوب سلس و اختار الكاتب الكلمات الرنانة و واستمر في سرد الحكاية بكل تحركات الأبطال ، قليلون من يتبع هذا الأسلوب ،
    في نظرى ، ، لو ان الأستاذ عبد الجليل ابو الزهور ، قام بجمع كل منشوراته وطبع لنا كتابا وهو اليوم له مجموعة من المقالات ، وكذا تتبعنا سيرته الذاتية
    فاشجعه على نشر كتاب و ولو 500 نسخة ـ كتلب متوسط الحجم ولي اليقين انه سنال اعجاب المهتمين وعليه ان امكن ان يتصل بمندوبية التقافة ببنى ملال ، و تقديم مسودة الكتاب ، وسوف مساعدته
    بالتوفيق

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.