دمنات … لا غابة محمية ولا مدينة مُنظَّمة: من المسؤول عن هذا الانحدار؟

929

ازيلال 24 : عبد الجليل ابو الزهور 

 

 

ليست المدينة في حاجة إلى تقارير تقنية ولا إلى شعارات موسمية حتى نكتشف حجم التراجع عن شروط التحضّر. جولة بسيطة في بعض الأحياء تكفي لفضح واقع يُدار بمنطق التغاضي لا التدبير، وبسياسة الأمر الواقع لا التخطيط. دمنات، اليوم، تبدو بعيدة كل البعد عن أي تصور حضري حديث، ليس بسبب فقر الموارد، بل بسبب فقر الإرادة وغياب المحاسبة.

 

أمام المنازل، خصوصًا بالأحياء المحاذية للغابة، تتكدس أكوام الحطب القادمة من المجال الغابوي في استغلال علني وسافر، يجري تحت أعين الجميع. هنا لا يمكن الحديث عن تجاوزات فردية أو حالات معزولة، بل عن واقع مستمر تتحمل مسؤوليته المباشرة كل من المجلس الجماعي والسلطات المحلية، التي اختارت سياسة غضّ الطرف بدل فرض القانون. أما المصالح المكلفة بحماية الغابة، فقد تحولت في نظر الساكنة إلى شاهد صامت، لا يتدخل إلا بانتقائية مريبة؛ يُلاحق الصغار، ويترك “الحيتان الكبرى” تنهب الأخشاب لا من أجل التدفئة أو الحاجة الاجتماعية، بل لتغذية شبكات التجارة والصناعة، في علاقات نفع متبادل يعرفها الجميع ويتجاهلها من بيده القرار.

 

 

وفي أحياء أخرى، تتكرس مظاهر تنسف كل حديث عن المدينة: زرائب للبهائم داخل المجال السكني، أزبال منتشرة هنا وهناك، غياب شبه تام للمراقبة الصحية والبيئية، وكأننا أمام مجال متروك خارج القانون. هذه المشاهد ليست تفصيلاً هامشيًا، بل دليل قاطع على فشل تدبير الشأن المحلي، وتقاعس المجلس الجماعي عن تفعيل صلاحياته في تنظيم المجال، كما تعكس تهاون السلطة المحلية في ممارسة أدوارها الزجرية والتنظيمية.

 

الأخطر من ذلك أن هذا الواقع لم يعد يُقابل بالاستغراب أو الرفض، بل أصبح جزءًا من المشهد اليومي، ما يعني أن الفوضى تم تطبيعها، وأن الاختلالات تحولت إلى قاعدة. وهنا تبرز المسؤولية السياسية كاملة: من يرأس الجماعة، ومن يُسيّر الشأن المحلي، ومن يملك سلطة القرار والضبط، جميعهم معنيون بهذا الانحدار الذي يُفرغ مفهوم التحضّر من مضمونه، ويحوّل المدينة إلى مجال مفتوح على العبث والإهمال.

 

 

إن دمنات لا تحتاج إلى خطابات تبريرية ولا إلى تحميل المسؤولية للساكنة، بل إلى إرادة حقيقية تفرض القانون على الجميع دون انتقائية، وتعيد الاعتبار للمجال الحضري كحق جماعي لا كغنيمة، وتحاسب من جعلوا الصمت سياسة، وغضّ الطرف أسلوب تدبير. فبدون ذلك، ستظل المدينة عالقة بين غابة منهوبة وفضاء حضري بلا روح، فيما يُطرح السؤال الجوهري: من المسؤول عن هذا الانحدار، ومن يملك الجرأة على تغييره؟
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.