الدم الذي لا يتقاعد..قلم : عبد الجليل ابو الزهور
قلم : عبد الجليل ابو الزهور
بعد تلك الولادة التي لم تأتِ احتفالًا بالحياة، بل كحلٍّ إسعافيٍّ لفضيحة كانت قاب قوسين من الانفجار، تمّ الارتباط والزواج. لم يكن زواجًا بالمعنى العاطفي للكلمة، بل أشبه بمحضر تصالح مع المجتمع، أو ختمٍ إداريٍّ وُضع على جرح مفتوح. كان يعرف، وهو يوقّع على ما يشبه عقد هدنة، أن البدايات الملتبسة لا تُنجب نهايات بريئة، ومع ذلك مضى، كما يمضي الناس حين لا يملكون رفاهية التراجع.
حين رُزق بثلاث بنات، صار الخوف ملموسًا. لم يعد فكرة عائمة، بل وجوه صغيرة، أنفاس ناعمة، وأجساد هشّة تنام تحت سقف واحد. لم يكن خوفه عليهن من الشارع فقط، ولا من الرجال، ولا من المدينة التي تحفظ الأسرار ثم تلوكها ببطء، بل من شيء أقدم، أعمق، شيء يسري في الدم دون إذن، ولا يحتاج إلى ذاكرة كي يستيقظ.
كان يجلس ليلًا، يراقبهن وهن نائمات، ويسأل نفسه بصوت لا يسمعه أحد:
هل يكفي أن أكون أبًا يقظًا؟ هل التعليم وحده قادر على كسر ما ترسّخ في اللحم؟ أم أن الدم… هذا الدم الذي لا يتقاعد، سينهض قبلي؟
قرر أن يقاوم بما يعرفه. المدرسة أولًا. الكتاب كساتر ترابي، والقلم كبديل رمزي عن سلاح لم يحمله يومًا. كان يسهر على فروضهن، يراجع الغياب قبل الحضور، ويكرر عليهن، بإصرار من يخاطب نفسه أكثر مما يخاطبهن:
— «العلم ينقذ… صدقنني، العلم ينقذ».
كان الابن البكر يراقب المشهد من طرف الغرفة. لم يكن يفهم سر هذا الإلحاح، ولا مصدر هذا القلق الصامت، لكنه كان يشعر بثقله، كأنه إرث غير معلن، ينتقل دون وصية.
كبرن.
إحداهن شقّت طريقها. أنهت دراستها الجامعية، حصلت على عمل محترم، وبدا وكأنها خرجت من النص قبل أن يبتلعها. يوم تخرجها، حين ضمّها أبوها إلى صدره، قال في نفسه:
واحدة نجت… على الأقل واحدة خرجت من خط النار.
الأخريان تزوجتا. زواجان بلا ضجيج، بلا حب كبير، بلا سقوط مدوٍّ. بيوت عادية تشبه التسويات، واستقرار هش يشبه هدنة مؤقتة. كان يراقبهما من بعيد، ويقنع نفسه بأن السلالة ربما تعبت، وأن الدم، أخيرًا، قرر أن يهدأ.
لكن الأخيرة…
الأخيرة كانت مختلفة منذ الطفولة.
في عينيها شيء زائد عن الحاجة، وفي صمتها فراغ مقلق. كان يشعر بذلك دون أن يملك اسمًا له. وحين بلغت منتصف عقدها الثاني، صار القلق يقينًا. لم تكن الرغبة عندها نزوة عابرة، بل هاجسًا. لم تكن لحظة، بل إلحاحًا داخليًا، كأن الجسد يعرف طريقه أكثر مما تعرفه هي.
كانت تجلس وحدها أحيانًا، تحاور نفسها:
لماذا أريد أكثر؟ لماذا يسبقني جسدي دائمًا؟ لماذا أشعر أنني أكرر شيئًا لا أتذكره؟
ولم يحتج الصياد إلى كثير من الوقت.
رجل من مسؤولي البلدة، يعرف كيف تُقرأ الهشاشة كما تُقرأ التقارير، اقترب بهدوء. لم يأتِ كذئب، بل كراعٍ. مال، هدايا، اهتمام، لغة ملساء تعرف متى تعد ومتى تصمت. شعرت أنها مرئية للمرة الأولى، مرغوبة، مختارة. لم تسأل نفسها: لماذا أنا؟ لأن الجواب كان أثقل من أن يُحتمل.
حين حدث ما حدث، لم تشعر بالذنب فورًا. شعرت فقط بثقل غامض، كأن شيئًا ما اكتمل، لا كأن شيئًا ما تحطّم. لكن الحمل جاء كدليل مادي، كوثيقة لا تقبل التأويل. السر لا يعيش طويلًا حين يتجسّد.
انفجرت البلدة.
في المقاهي، خُفِضت الأصوات ثم ارتفعت:
— «سمعت؟»
— «الدنيا كلها سمعت».
في البيوت، همست النساء ثم حكمْن:
— «ما جاتش من فراغ».
— «الدم ما يكذبش».
حتى الهاتف صار قاضيًا، ومواقع التواصل تحولت إلى محكمة بلا رحمة. أما الرجل المسؤول، فكان يرى صورته تتآكل. لم يكن يخشى الفضيحة بقدر ما كان يخشى الأرقام. الشعبية تهبط، والنوايا الانتخابية تتبخر. فكر، وهو يتفقد وجوه داعميه:
كل هذا بسبب بنت؟
ثم صحح الفكرة سريعًا:
لا… بسبب نيشان قديم لم أحسن إخفاءه.
كان يمكن للقضية أن تصل إلى القضاء. كانت هناك لحظة قصيرة، خاطفة، بدا فيها أن العدالة قد تمر من هنا. لكنها لم تفعل. المال تدخّل، العلاقات تحركت، والضمائر وجدت طريقها إلى النوم. أُغلق الملف، وبقي الأثر.
أما الأب، فجلس مساءً وحده. لم يصرخ. لم يشتم. لم ينهزم علنًا. قال فقط، كمن يعترف لنفسه أمام مرآة مكسورة:
لم أخسر معركة… أنا خسرت حربًا بدأت قبل ولادتي.
فهم أخيرًا أن ما كان يطارده لم يكن خطأ فرديًا، بل وسامًا موروثًا. نيشانًا لا يُعلّق على الصدر، بل يُغرس في اللحم. يتبدل شكله عبر الأجيال: مرة بندقية، مرة سلطة، مرة جسدًا يُستباح… لكن الجوهر واحد.
هكذا استمر كل شيء.
العائلة صامتة، البلدة ناسِية في الظاهر، والتاريخ يعيد ترتيب أوراقه.
أما الدم…
فالدم وحده لا يتقاعد.