المشاريع العمومية… حق دستوري لا صدقة انتخابية
ازيلال: 24 عبد الجليل ابو الزهور
لا يختلف اثنان على أن كل مشروع يهدف إلى تحسين ظروف عيش الساكنة، خاصة حين يتعلق بإعادة تأهيل الأحياء الناقصة التجهيز بمدينة دمنات، يُعد في حد ذاته خطوة إيجابية ومطلوبة. فتهيئة الأزقة، وقنوات الصرف الصحي، وتحسين البنية التحتية، ليست امتيازات ولا مكاسب ظرفية، بل حقوق اجتماعية أساسية ظلت الساكنة تطالب بها منذ سنوات طويلة.
غير أن الترحيب بهذه المشاريع لا يمكن أن يتحول إلى قبولٍ أعمى بمنطق المنة والصدقة السياسية، ولا إلى تبرير حملات التهليل المبالغ فيها. فهذه المشاريع لم تُموَّل من جيوب المنتخبين ولا من حساباتهم الخاصة، بل من المال العام، أي من عرق دافعي الضرائب. وبالتالي فهي حق للمواطن، وواجب على المؤسسات، لا فضلًا يُمنّ به ولا مادة للاستثمار الدعائي.
إن الإعلان عن هذه المشاريع العمومية لا يحتاج إلى كل هذا التهليل ولا إلى استعراضات تواصلية فارغة تُرفق بصور أشخاص عافهم سكان المدينة، واستُهلكوا سياسيًا، ولم يعد حضورهم يثير سوى التبرّم بدل الأمل. فالمشاريع تُنجز باسم المؤسسات، لا باسم الوجوه، وبأموال عمومية لا تتحمل مزايدات ولا حملات تلميع. إن الإفراط في الاحتفال، وكأن الأمر يتعلق بصدقة انتخابية، لا يسيء فقط إلى وعي المواطن، بل يُفرغ العمل العمومي من مضمونه، ويكرّس منطق الشخصنة بدل منطق المسؤولية.
والسؤال الحقيقي الذي يجب أن يكون في صلب النقاش العمومي ليس: من أعلن عن المشروع؟ ولا من التقط الصور؟ بل: كيف ستُنجز هذه الأشغال؟ وبأي جودة؟ وتحت أية مراقبة تقنية؟ فالتجارب السابقة علمتنا أن الإشكال لا يكمن في إطلاق المشاريع، بل في احترام دفتر التحملات، وضمان الجودة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، حتى لا نعود بعد شهور أو سنوات لإصلاح ما قيل إنه أُصلح.
لقد عانت مدينة دمنات، كما غيرها من المدن، من مشاريع هشة أُنجزت على عجل، أو افتقرت إلى المراقبة الصارمة، فظهرت عيوبها سريعًا مع أول اختبار ميداني. وهو ما يفرض اليوم، بإلحاح، تفعيل آليات التتبع والمراقبة التقنية المستقلة، حمايةً للمال العام وصونًا لحقوق الساكنة.
إن الساكنة التي منحت ثقتها وأصواتها لم تفعل ذلك طلبًا للشكر ولا بحثًا عن صور تذكارية، بل انتظارًا للوفاء بالالتزامات، وتحقيق العدالة المجالية، واحترام ذكائها وكرامتها. كما أن النقد المسؤول والمساءلة العلنية لا يُشكلان عرقلة للتنمية، بل شرطًا أساسيًا من شروطها.
ومن موقع دمنات الرسالة، نؤكد أن دور الإعلام الحر والملتزم لا يختزل في إعادة نشر البلاغات ولا في التصفيق الأجوف، بل في تفكيك الخطاب الرسمي، وفضح منطق التلميع، والتنبيه إلى كل انحراف محتمل عن المصلحة العامة. فالتنمية ليست صورة جماعية ولا بلاغًا احتفاليًا، بل مسارًا يخضع للمحاسبة اليومية، ولسؤال واضح لا مهرب منه: أين صُرف المال العام؟ وكيف؟ وبأي نتيجة؟
إننا نحذر من تحويل هذه المشاريع إلى غطاء لإعادة إنتاج نفس الوجوه ونفس الممارسات التي أنهكت المدينة، ونرفض استعمال المال العام لتبييض الفشل السياسي أو شراء الصمت. فدمنات لا تحتاج إلى أبطال ورقيين، بل إلى مؤسسات تشتغل، ومجالس تُحاسَب، وأشغال تُراقَب، ومسؤولين يدركون أن زمن الوصاية والتهليل قد ولى.
ووفاءً لخطها التحريري واستقلاليتها، ستواصل دمنات الرسالة تتبع هذا الورش وغيره، زقاقًا بزقاق وحجرًا بحجر، وستنبه إلى كل اختلال أو تلاعب أو تهاون في الجودة، لأن المدينة لا تحتمل إصلاحًا مغشوشًا جديدًا، ولا ذاكرة مثقلة بوعود لم تتحقق. فالمشاريع حق، والمال مال الشعب، والمحاسبة واجب… وما دون ذلك ليس تنمية، بل ضجيجًا سياسيًا عابرًا، مهما علا صوت المهللين.
هيئة تحرير دمنات الرسالة