خيانتي.. الأكثر وجعاً.. قلم: عبدالقادر كلول

827

قلم: عبدالقادر كلول

 

 

نعم خنتها.. وخذلتها، لم يكن باستطاعتي أن أعترف بكل ما اقترفته في حقها، كنت أخشى أن أوصف بالجبان، وأكره شيء عندي أن ينظر إليّ أحد بنظرة استهزاء.. لذلك تصنعت شخصية أخرى، وارتديت قناعاً يدفع عني نظرة الناس، ويمنحني فرصة التواجد بينهم دون صدام، وبلا وخز ضمير..
عندما كنت أعود إلى البيت، كنت ألقي نظرة عليها، وهي في مكانها المفضل، تنتظرني، بردائها الأنيق، وبكل جاذبيتها الشهية.. أمر بمحاذاتها كغريب استبد به الخجل، وأكتفي بلمسها ومواعدتها بالعودة إليها في اليوم الموالي، لكنني لا أفعل.
كان الألم يعتصرني في كل وقت أكون فيه بعيداً عنها، ناكثاً وعدي بلقائها، وأخذها معي إلى الأماكن التي ألفنا ارتيادها في السابق.. كانت تعشق الطبيعة، الهدوء والمساحات الخالية من الضجيج.. قلما فرقتنا المشاغل، لأنها ببساطة كانت هي كل شغلي الشاغل، أرافقها في عز انشغالاتي، وأصحبها في تنقلاتي؛ في الحافلة، والمقهى، وفي العمل أيضاً..
بيد أنني اليوم بتُّ أخونها بشكل ممنهج وعبثي مع اللواتي لا يشبهنها.. مع القبيحات، والمبتذلات، وذوات الجمال المزيف.. لم أكن أعلم وأنا أبتعد عنها، أنني كنت أبتعد عن نفسي، عن أخلاقي وكبريائي.. عن شخصيتي الحقيقية التي بنيتها، ورفعت صرحها لبنة لبنة، منذ رعشة الحب الأولى في المدرسة، ورسائل الغرام التي كنت أكتبها لنساء مجهولات وبلا عناوين.. منذ اكتشافي لسر الكلمة والحرف ولغة الوجدان..
كراساتي القديمة ما تزال شاهدة على شغفي ودموعي وفرحي، وصوري الأولى ما تزال تذكرني بحقبة اعتقدت أن شمسها لن تأفل، فإذا بكل هذا الظلام يلفني ببطء.
كنت أظن أنني حين هجرتها سأربح الوقت، وأخفف عن نفسي ثقل الانشغال بالحروف، لكنني كنت أخسر شيئاً لا يعوض.. كنت أخسر تلك المساحة النقية داخلي، حيث كنت أختبئ من قسوة العالم، وأرتب فوضاي بين الصفحات، وأجدني كلما تهت بين الوجوه والضجيج.
الرواية لم تكن يوماً مجرد كتاب أقرأه ثم أغلقه.. كانت وطناً صغيراً أحمله معي، ونافذة أطل منها على أرواح تشبهني، وعلى عوالم تمنحني القدرة على الاحتمال.. كانت اليد التي تمسك بي كلما أوشكت على السقوط في ابتذال الأيام.
لكننا حين نبتعد عن القراءة، لا يحدث الأمر دفعة واحدة.. بل نتآكل ببطء، نفقد دهشتنا الأولى، وتبهت لغتنا، وتجف أرواحنا دون أن نشعر.. نصير أكثر صخباً من الداخل، وأقل قدرة على الإصغاء لأنفسنا.
واليوم، وأنا أعود إليها متعباً ومثقلاً بكل هذا الركض العبثي، أدرك أنها لم تكن غاضبة مني بقدر ما كانت تنتظرني فقط.. تنتظر أن أعود كما كنت؛ ذلك الفتى الذي كان يعثر على سعادته بين رائحة الورق، ويؤمن أن الحياة مهما ضاقت، تتسع دائماً داخل كتاب.
لهذا، لا تهجروا الروايات طويلاً.. خذوها معكم ولو لصفحات قليلة في آخر الليل، أو في زحمة الانتظار، أو في لحظة هروب من قسوة الواقع.. لأن الإنسان قد يعيش بلا أشياء كثيرة، لكنه يذبل حين يفقد تلك العلاقة السرية التي تربطه بالكلمة.
فالرواية ليست ترفاً.. إنها أحياناً، نجاة كاملة.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.