دمنات :تشجير على حساب المرعى… احتجاجات ب”تيزي” تكشف عمق سوء التواصل بين الإدارة والسكان
ازيلال 24 : عبد الجليل ابو الزهور
في الوقت الذي تُرفع فيه الشعارات الرسمية حول التنمية المستدامة والمقاربة التشاركية، وجد سكان دوار تيزي التابع لجماعة تفني وجيرانهم من دوار تيزي بجماعة سيدي يعقوب أنفسهم أمام مشروع تشجير يهدد مورد رزقهم اليومي ومصدر عيشهم الأساسي.
فقد علمت الساكنة مؤخرًا بعزم إدارة المياه والغابات على تشجير منطقة “مايون”، وهي منطقة رعوية يعتمد عليها الأهالي منذ عقود لرعي قطعانهم التي تفوق 2000 رأس من الماشية.
الخطر الذي أيقظ الدوارين
بحسب شهادات عدد من السكان، فإن المنطقة المعنية ليست مجرد فضاء طبيعي، بل تضم عيونًا مائية يعتمدون عليها لسقي بهائمهم. ومع أن الهدف البيئي من التشجير يبدو نبيلًا، إلا أن غياب التشاور المسبق مع الساكنة جعل المشروع يُنظر إليه كتهديد مباشر لحياتهم المعيشية.
يقول أحد الشيوخ:
> “نحن لا نرفض التشجير، لكن لا يمكن أن يزرعوا الأشجار في بطون مواشينا. العيون هنا هي مصدر الحياة لنا ولحيواناتنا.”
بين الإدارة والرئاسة الجماعية… كرة المسؤولية تتدحرج
أمام هذا الوضع، بادر سكان الدوارين إلى مراسلة عدة جهات محلية وإقليمية، كما اتصلوا بـقائد قيادة أمينفري ولتانة ورئيس الدائرة، غير أن الرد – حسب تصريحاتهم – كان أن “الحل يوجد بيد رئيس الجماعة”، بوصفه المنتخب الذي يمثلهم.
غير أن هذا الموقف فُهم من طرف الساكنة كنوع من التنصل الإداري المتبادل، حيث تحولت المعاناة اليومية إلى لعبة إلقاء للمسؤوليات بين مؤسسات يفترض أن تنسق فيما بينها لخدمة الصالح العام.
مسيرة سلمية… واعتراض دركي
وفي ظل انسداد الأفق وغياب أي حوار جاد، قررت الساكنة تنظيم مسيرة احتجاجية سلمية صباح الثلاثاء 22 أكتوبر 2025 باتجاه السلطات المحلية. غير أن المسيرة تم اعتراضها من طرف عناصر الدرك الملكي الذين طالبوا المحتجين بالعودة إلى ديارهم والبحث عن “طرق أخرى لإيصال مطالبهم”.
هكذا عادت الجموع بخيبة أمل، بعدما كانت تأمل أن تلقى آذانًا صاغية لقضيتها، وأن يُفتح نقاش حقيقي حول التوفيق بين الحق في المراعي وحماية الغابات.
بين حماية البيئة وحماية القطيع الوطني
اللافت في هذه القضية أن توجهات صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله لطالما أكدت على ضرورة الحفاظ على القطيع الوطني ودعم الفلاحين والكسابة، خاصة في ظل التحديات المناخية والجفاف.
ومن هذا المنطلق، يبدو أن تشجير منطقة رعوية دون إيجاد بدائل حقيقية للساكنة يتنافى مع الرؤية الملكية الرامية إلى تحقيق توازن بين التنمية البيئية والحفاظ على الأمن الغذائي والمعيشي للمواطنين.
قضية أعمق من مجرد تشجير
قضية تيزي ليست استثناءً، بل تعكس إشكالية أعمق في علاقة الإدارة بالمجتمع القروي:
غياب المقاربة التشاركية في التخطيط للمشاريع البيئية.
تجاهل البعد الاجتماعي والمعيشي للسكان في المناطق الجبلية.
ضعف التنسيق المؤسساتي بين الجماعة المحلية والإدارات القطاعية.
إن التنمية البيئية لا يمكن أن تتحقق بإقصاء الإنسان الذي يعيش داخل المجال الطبيعي، فحماية الغابة لا تتناقض مع حق الساكنة في الرعي، بل يمكن تحقيق توازن ذكي بين الطرفين إذا توفرت الإرادة والنية الحسنة.
بدائل واقعية ومقترحات:
1. إشراك الساكنة في تخطيط وتنفيذ مشروع التشجير، عبر تحديد المساحات الممكن غرسها دون المساس بالعيون والمراعي الحيوية
2. إحداث مجالات رعوية منظمة على أطراف المنطقة الغابوية، مع تسهيل استعمالها وفق دفتر تحملات واضح
3. تعويض الساكنة المتضررة بمشاريع مدرة للدخل (تربية النحل، الزراعة المستدامة، التشجير المثمر بدل الغابوي).
4. تفعيل دور الجماعة كوسيط فعلي بين السكان والإدارة بدل الاكتفاء بإلقاء المسؤولية على الآخرين.
5. تنظيم لقاءات تواصلية مفتوحة لتوضيح أهداف المشاريع قبل الشروع فيها، حفاظًا على الثقة بين الدولة والمواطن
الخاتمة
ما حدث في تيزي يضع الإصبع على جرح قديم: جرح القرارات الفوقية التي لا تنصت للواقع الميداني.
البيئة لا تُحمى بالعقاب والمنع، بل بالحوار والتعاون.
ولعل في حكمة أحد الرعاة جوابًا بليغًا حين قال:
“الأشجار جميلة، لكن لا تزرعوها على حساب بطون أغنامنا.”