حين يصرخون ضد محل خمر… ويصمتون أمام طوفان الحبوب المهلوسة! ازدواجية الخطاب الأخلاقي تُغرق شباب دمنات ومحيطها. 

1٬063

أزيلال 24 : عبد الجليل ابو الزهور 

 

 

 

في الأيام الأخيرة ارتفعت بعض الأصوات لتصوير فتح محل لبيع الخمور كأنه الخطر الأكبر الذي يهدد شباب دمنات ومحيطها. أصوات علا صراخها فجأة، تتحدث بلهجة الواعظ الغيور، وتوزع الاتهامات يمنة ويسرة، وكأن مصير الأجيال معلّق على قارورة تظهر للعلن. ولكن ما يثير الدهشة — وأحيانًا الغضب — هو هذا الصمت المدوي أمام ظاهرة خطيرة تتوسع في الخفاء: انتشار الحبوب المهلوسة بين اليافعين والمراهقين، دون أن نسمع من هذه الجهات كلمة واحدة، أو حتى همسة استنكار
فالحديث عن محل خمر، رغم كل ما يُثار حوله، يبقى موضوعًا ظاهرًا وواضحًا للعيان، يخضع للقانون والمراقبة. بل إن المعطيات المتوفرة لحد الآن تؤكد أنه لم يتم تسجيل أي حالة اقتناء الخمر من طرف قاصرين، وهو ما ينسف الادعاءات التي يتم ترويجها بدون دليل.
الطوفان الحقيقي: انتشار صامت للمهلوسات وسط فئات شابة في غياب أي تدخل
الحقيقة التي يخشاها الكثيرون هي أن استعمال بعض أصناف الحبوب المهلوسة بدأ يتمدد وسط شباب المنطقة، في صمت ثقيل ومقلق. شباب يافعون ومراهقون يجدون أنفسهم أمام مواد خطيرة تسللت إلى حياتهم اليومية، دون أن يشعر أحد بمسؤولية التحرك.
والأخطر من ذلك أنه، إلى حدود اللحظة، لم يتم توقيف أو ضبط أي شخص من المتورطين في هذا النوع من التجارة، رغم أن آثارها بادية في الأحياء والشوارع، ورغم شكاوى أسر لاحظت تغيرات حادة في سلوك أبنائها.
إنها ظاهرة تتعمق بلا مواجهة، وتكبر بلا محاسبة، وتجري في الظلام… ولذلك لا تثير حمية من يختارون رفع أصواتهم فقط حين يكون الموضوع ظاهرًا ومناسبًا لتحريك العاطفة.
شباب بلا فضاءات… وطاقات تُهدر أمام أعين الجميع
في مدينة مثل دمنات ومحيطها، حيث نسبة الشباب عالية، يُفترض أن تكون البنية التحتية الشبابية والثقافية في صدارة الأولويات. لكن الواقع صادم:
لا توجد فضاءات حقيقية تُخرج طاقات الشباب للعلن.
لا ملاعب للقرب بالعدد الكافي، ولا دور شباب تشتغل فعليًا، ولا نوادٍ فنية أو موسيقية، ولا برامج تُمكّن اليافعين من التعبير عن أنفسهم.
الأدهى من ذلك أن فصول الميزانية الخاصة بالثقافة والإبداع والشباب والطفولة لم يُخصص لها ولو درهم واحد. نعم… صفر درهم!
فهل يمكن أن نطالب شبابًا مهملًا، مُهمَّشًا، وغير مُرافق، بأن يتجنب الانحراف؟
إنه منطق عبثي.
هدر المال العام عبر جمعيات الولاءات والفرق الرياضية غير المجدية
وفي المقابل، تُمنح ميزانيات من المال العام لجمعيات لا تقدم أي إضافة حقيقية، لكنها قريبة من دوائر النفوذ أو مطلوبة في زمن الانتخابات، لا في زمن العمل.
أما الفرق الرياضية، فبدل الاستثمار في أبناء المنطقة وتطوير قدراتهم، نراها تتنافس على جلب لاعبين من مدن أخرى بدون نتائج تذكر، بينما شباب دمنات يقفون خارج اللعبة، بلا دعم، بلا تأطير، وبلا مستقبل رياضي واضح.
ازدواجية مفضوحة… وصمت يثير الريبة
المفارقة التي لا يمكن تجاهلها هي أن بعض الأصوات ترفع عقيرتها حين يتعلق الأمر بمحل خمر، لأنه موضوع ظاهر وسهل ومرتبط بتحريك الشعور الديني.
لكن حين يتعلق الأمر بالحبوب المهلوسة، التي تدمر فعليًا عقول وسلوك شباب المنطقة… يصمتون.
يصمتون لأن الظاهرة تجري في الخفاء.
يصمتون لأنها لا تمنحهم تلك الهالة الأخلاقية التي يبحثون عنها.
يصمتون لأنها معركة تحتاج شجاعة، لا مجرد “صراخ” موسمي
الخلاصة: معركة الحماية لا تُخاض بالشعارات
الخطر الحقيقي ليس محل خمر يشتغل علنًا وتحت القانون.
الخطر هو تفشي المهلوسات وسط شبابنا، وغياب الفضاءات الشبابية، وهدر المال العام، والصمت الانتقائي الذي يختار ما يناسب “المظاهر الدينية” ويتجاهل ما يهدد مستقبل جيل كامل.
وإذا كانت هناك معركة يجب أن تُخاض اليوم، فهي ليست معركة “الضجيج حول الظاهر”، بل معركة كشف المستور، ومواجهة ما يدمر أبناءنا في السر، قبل أن يتحول الصمت إلى جريمة مشتركة.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.