عون سلطة في قفص الإدانة: حين تسقط هيبة الدولة في مستنقع الاستغلال والاعتداء على القاصري

1٬233

أزيلال 24 : عبد الجليل ابو الزهور 

 

 

 

ليست كل الإدانة نهاية، وليست كل الأحكام عدالة مكتملة، خصوصاً حين يكون المدان عونَ سلطة، ممثلاً للدولة في الهامش، ومفترضاً فيه حماية الضعفاء لا التحول إلى خطر عليهم.
بهذا المعنى الثقيل، يفرض ملف الاعتداء الجنسي على قاصر بدوار توفغين، جماعة آيت تمليل، نفسه كواحد من أخطر الملفات التي عرّت أعطاب السلطة المحلية، وكشفت كيف يمكن للنفوذ الإداري أن يتحول، في غياب المراقبة والمحاسبة، إلى أداة ضغط وانتهاك.
محكمة الاستئناف، بتاريخ 23 دجنبر الجاري، قضت بقبول الاستئناف وتأييد الحكم الابتدائي، مع تشديد العقوبة الحبسية في حق عون سلطة برتبة شيخ إلى أربعة أشهر حبسا نافذاً، ورفع التعويض المدني إلى 15 ألف درهم، مع تحميل المتهمين الصائر. وهو حكم لا يمكن قراءته إلا باعتباره إقراراً قضائياً بخطورة الأفعال المرتكبة وبمسؤولية الفاعل، ليس فقط كفرد، بل كموظف عمومي خان الثقة المفترضة فيه.
إدانة جنائية… وسجل إداري مثقل بالشبهات
الشيخ المدان سبق أن أُدين ابتدائياً من طرف المحكمة الابتدائية بأزيلال، بتاريخ 9 دجنبر 2024، بشهرين حبسا نافذاً، من أجل استعمال الضغط لحمل الغير على الإدلاء بتصريحات كاذبة، في نفس السياق، بعد أن كان متابعاً في حالة سراح مقابل كفالة مالية قدرها 20 ألف درهم.
وهي تهمة لا تقل خطورة، لأنها تمس جوهر الوظيفة العمومية، القائمة قانوناً على الحياد، والنزاهة، واحترام حقوق الأفراد.
من الجماعة إلى السلطة: مسار يطرح أكثر من علامة استفهام
النقطة الأخطر، والتي تفرض نفسها اليوم بقوة، تتعلق بمسار توظيف المعني بالأمر نفسه. فحسب معطيات متداولة محلياً، فإن عون السلطة المدان كان قبل توظيفه عضواً بالمجلس الجماعي لولايتين متتاليتين، قبل أن يقدم استقالته من العضوية ليتم توظيفه كعون سلطة في إطار ما يُعرف محلياً بالتوظيف الترضي، وبمقابل.
هذا المعطى، إن ثبت بكامل تفاصيله، يطرح شبهة تضارب المصالح، ويمس مبدأ تكافؤ الفرص الذي يجب أن يحكم الولوج إلى مهام السلطة المساعدة، كما يفتح سؤالاً مشروعاً حول معايير الانتقاء، ومدى احترام المساطر القانونية والتنظيمية المؤطرة لتوظيف أعوان السلطة، خاصة حين يتعلق الأمر بشخص راكم نفوذاً انتخابياً سابقاً وعلاقات محلية قد تتحول إلى أدوات ضغط بعد ارتداء “لباس الدولة”.
شواهد السكنى… من وثيقة إدارية إلى وسيلة ابتزاز
تفيد معطيات متداولة محلياً أن عون السلطة المعني كان يسلّم شواهد السكنى بمقابل، وأحياناً لأشخاص لا يقيمون أصلاً بدائرة نفوذ مشيخته، بل إن بعضهم لا يسكن حتى ضمن النفوذ الترابي لقيادة آيت تمليل.
وهو ما يشكل شبهة استغلال النفوذ وخرقاً لمبدأ الاختصاص الترابي، وضرباً لمصداقية الوثائق الإدارية التي يُفترض أن تُسلّم بناءً على المعاينة الفعلية لا العلاقات والولاءات.
زلزال الحوز: حين تُقايَض المعاناة بالولاء
الأكثر خطورة، ما رافق عملية إحصاء المتضررين من زلزال الحوز، حيث تؤكد شهادات محلية أن الشيخ المعني لم يسجل سوى من “يرضى عنهم”، أو من يدورون في فلكه، في إقصاء فجّ لأسر منكوبة، في خرق واضح لمبادئ الإنصاف والمساواة، وتحويل كارثة إنسانية إلى أداة تصفية حسابات محلية.
السؤال الذي لا مفر منه: من يحاسب ومن يُبقي؟
أمام حكم قضائي نهائي مشدد، وأمام معطيات تمس الأخلاق العامة، والنزاهة الإدارية، ومسار التوظيف نفسه، يطرح السؤال الجوهري: هل ستُبقي السلطة الإقليمية على هذا الشخص عونَ سلطة؟ وهل سيتم فتح تحقيق إداري مستقل حول ظروف توظيفه، وسلوكه المهني، وشبهات استغلال النفوذ؟ أم أن منطق التغاضي سيستمر، بما يجعل من الإدانة القضائية مجرد تفصيل عابر؟
ختاما ان  المحاسبة تبدأ من المنبع لا من القفص
ملف دوار توفغين لم يعد ملفاً جنائياً معزولاً، بل أصبح مرآة لاختلالات أعمق: اختلال في التوظيف، اختلال في المراقبة، واختلال في حماية المواطنين من تعسف من يُفترض أنهم في خدمتهم.
الدولة لا تُهان حين تعزل، بل تُهان حين تصمت.
والمحاسبة الحقيقية لا تبدأ من قاعة المحكمة فقط، بل من غربلة من يمثلون السلطة في الميدان.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.